فهرس الكتاب
يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمِيَّة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ـ وفي رواية ـ أينما لقيتموهم فاقتلوهم ـ فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند اللّه يوم القيامة، يقتلون أهل الإسلام).
وهؤلاء اتفق الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ على قتالهم، لكن الذي باشر قتالهم وأمر به، علي ـ رضي اللّه عنه ـ كما في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تمرق مارقة على حين فُرْقَةٍ من الناس، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) فقتلهم علي ـ رضي اللّه عنه ـ بالنَّهْرَوان، وكانوا قد اجتمعوا في مكان يقال له: حَرُورَاء؛ ولهذا يقال لهم: الحرورية.
وأرسل إليهم ابن عباس فناظرهم حتى رجع منهم نحو نصفهم، ثم إن الباقين قتلوا عبد اللّه بن خَبَّاب، وأغاروا على سرح المسلمين، فأمر / علي الناس بالخروج إلى قتالهم. وروى لهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم وذكر العلامة التي فيهم: أن فيهم رجلًا مُخْدَجَ اليدين ـ ناقص اليد ـ على ثديه مثل البضعة من اللحم تَدَرْدَر. ولما قتلوا وجد فيهم هذا المنعوت.
فلما اتفق الخوارج ـ الثلاثة ـ على قتل أمراء المسلمين الثلاثة، قتل عبد الرحمن بن ملجم عليًا ـ رضي اللّه عنه ـ يوم الجمعة سابع عشر، شهر رمضان، عام أربعين، اختبأ له، فحين خرج لصلاة الفجر ضربه، وكانت السنة أن الخلفاء ونوابهم الأمراء الذين هم ملوك المسلمين، هم الذين يصلون بالمسلمين الصلوات الخمس، والجمع والعيدين، والاستسقاء والكسوف، ونحو ذلك كالجنائز، فأمير الحرب هو أمير الصلاة الذي هو إمامها.
وأما الذي أراد قتل معاوية فقالوا: إنه جرحه، فقال الطبيب: إنه يمكن علاجك، لكن لا يبقى لك نسل، ويقال: إنه من حينئذ اتخذ معاوية المقصورة في المسجد، واقتدى به الأمراء؛ ليصلوا فيها هم وحاشيتهم، خوفًا من وثوب بعض الناس على أمير المؤمنين وقتله، وإن كان قد فعل فيها مع ذلك ما لا يسوغ، وكره من كره الصلاة في نحو هذه المقاصير.
وأما الذي أراد قتل عمرو بن العاص، فإن عمرًا كان قد استخلف ذلك اليوم رجلاـ اسمه خارجة ـ فظن الخارجي أنه عمرو فقتله، فلما تبين له قال: أردت عمرًا وأراد اللّه خارجة، فصارت مثلا.
/فقيل: إنهم كتموا قبر علي وقبر معاوية وقبر عمرو خوفًا عليهم من الخوارج؛ ولهذا دفنوا معاوية داخل الحائط القبلي من المسجد الجامع في قصر الإمارة، الذي كان يقال له الخضراء، وهو الذي تسميه العامة قبر هود، وهود باتفاق العلماء لم يجئ إلى دمشق، بل قبره ببلاد اليمن حيث بعث، وقيل: بمكة حيث هاجر، ولم يقل أحد: إنه بدمشق.
وأما معاوية الذي هو خارج باب الصغير، فإنه معاوية بن يزيد، الذي تولى نحو أربعين يومًا، وكان فيه زهد ودين. فعلي دفن هناك وعفي قبره؛ فلذلك لم يظهر قبره.
وأما المشهد الذي بالنَّجف، فأهل المعرفة متفقون على أنه ليس بقبر علي، بل قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة، ولم يكن أحد يذكر أن هذا قبر علي، ولا يقصده أحد أكثر من ثلاثمائة سنة، مع كثرة المسلمين من أهل البيت، والشيعة وغيرهم، وحكمهم بالكوفة.
وإنما اتخذوا ذلك مشهدًا في ملك بني بويه ـ الأعاجم ـ بعد موت علي بأكثر من ثلاثمائة سنة، ورووا حكاية فيها: أن الرشيد كان يأتي إلى تلك، وأشياء لا تقوم بها حجة.
وأما السؤال عن سَبْي أهل البيت وإركابهم الإبل حتى نبت لها سنامان وهي البَخَاتِيّ؛ ليستتروا بذلك، فهذا من أقبح الكذب وأبينه، وهو مما افتراه الزنادقة /والمنافقون، الذين مقصودهم الطعن في الإسلام، وأهله من أهل البيت، وغيرهم. فإن من سمع مثل هذا وشهرته وما فيه من الكذب قد يظن أو يقول: إن المنقول إلينا من معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء هو من هذا الجنس، ثم إذا تبين أن الأمة سَبتْ أهل بيت نبيها، كان فيها من الطعن في خير أمة أخرجت للناس ما لا يعلمه