الصفحة 182 من 575

ثم حملوا ثقله وأهله إلى يزيد بن معاوية إلى دمشق، ولم يكن يزيد أمرهم بقتله، ولا ظهر منه سرور بذلك ورضى به، بل قال كلامًا فيه ذم لهم حيث نقل عنه أنه قال: لقد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين، وقال: /لعن اللّه ابن مرْجَانة ـ يعني عبيد اللّه بن زياد ـ واللّه لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله ـ يريد بذلك الطعن في استلحاقه حيث كان أبوه زياد استلحق حتى كان ينتسب إلى أبي سفيان صخر بن حرب ـ وبنو أمية وبنو هاشم كلاهما بنو عبد مناف.

وروى أنه لما قدم على يزيد ثقل الحسين وأهله ظهر في داره البكاء والصراخ لذلك، وأنه أكرم أهله، وأنزلهم منزلًا حسنًا، وخير ابنه عليًا بين أن يقيم عنده وبين أن يذهب إلى المدينة، فاختار المدينة، والمكان الذي يقال له سجن على بن الحسين بجامع دمشق باطل لا أصل له.

لكنه مع هذا لم يقم حد اللّه على من قتل الحسين ـ رضي اللّه عنه ـ ولا انتصر له، بل قتل أعوانه لإقامة ملكه، وقد نقل عنه أنه تمثل في قتل الحسين بأبيات تقتضي من قائلها الكفر الصريح، كقوله:

لما بدت تلك الحمول وأشرفت ** تلك الرؤوس إلى ربى جيرون

نعق الغراب فقلت نح أو لا تنح ** فلقد قضيت من النبي ديوني!!

وهذا الشعر كفر.

ولا ريب أن يزيد تفاوت الناس فيه، فطائفة تجعله كافرًا، بل تجعله هو وأباه كافرين؛ بل يكفرون مع ذلك أبا بكر وعمر، ويكفرون عثمان، وجمهور المهاجرين والأنصار. وهؤلاء الرافضة من أجهل خلق اللّه وأضلهم، وأعظمهم /كذبًا على اللّه ـ عز وجل ـ ورسوله والصحابة والقرابة وغيرهم، فكذبهم على يزيد مثل كذبهم على أبي بكر وعمر وعثمان، بل كذبهم على يزيد أهون بكثير.

وطائفة تجعله من أئمة الهدى، وخلفاء العدل، وصالح المؤمنين، وقد يجعله بعضهم من الصحابة، وبعضهم يجعله نبيًا، وهذا ـ أيضًا ـ من أبين الجهل والضلال، وأقبح الكذب والمحال، بل كان ملكًا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات، والقول فيه كالقول في أمثاله من الملوك، وقد بسطنا القول في هذا في غير هذا الموضع.

وأما الحسين ـ رضي اللّه عنه ـ فقتل بكَرْبِلاء قريب من الفرات، ودفن جسده حيث قتل، وحمل رأسه إلى قُدام عبيد اللّه بن زياد بالكوفة، هذا الذي رواه البخاري في صحيحه وغيره من الأئمة.

وأما حمله إلى الشام إلى يزيد، فقد روي ذلك من وجوه منقطعة لم يثبت شيء منها، بل في الروايات ما يدل على أنها من الكذب المختلق، فإنه يذكر فيها أن يزيد جعل ينكت بالقضيب على ثناياه، وأن بعض الصحابة الذين حضروه ـ كأنس بن مالك، وأبي بَرْزَة ـ أنكر ذلك، وهذا تلبيس، فإن الذي جعل ينكت بالقضيب إنما كان عبيد اللّه بن زياد، هكذا في الصحيح والمساند. وإنما جعلوا مكان عبيد اللّه بن زياد [يزيد] ، وعبيد اللّه لا ريب أنه أمر بقتله، وحمل الرأس إلى بين يديه. ثم إن ابن زياد قتل بعد ذلك لأجل ذلك. /ومما يوضح ذلك أن الصحابة المذكورين كأنس وأبي برزة لم يكونوا بالشام، وإنما كانوا بالعراق ـ حينئذ ـ وإنما الكذابون جهال بما يستدل به على كذبهم.

وأما حمله إلى مصر فباطل باتفاق الناس، وقد اتفق العلماء كلهم على أن هذا المشهد الذي بقاهرة مصر الذي يقال له: مشهد الحسين باطل، ليس فيه رأس الحسين ولا شىء منه، وإنما أحدث في أواخر دولة بني عبيد اللّه بن القداح الذين كانوا ملوكًا بالديار المصرية مائتي عام، إلى أن انقرضت دولتهم في أيام نور الدين محمود وكانوا يقولون: إنهم من أولاد فاطمة، ويدعون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت