فهرس الكتاب
فيقال له: الرد يثبت بالتدليس، ويثبت باختلاف الصفة باتفاق الأئمة، والمدلس الذي أظهر أن المبيع على صفة وليس هو عليها كالواصف لها بلسانه، وهذا النوع من الخيار غير خيار الرد بالعيب.
/ويقال له: المشترى لم يضمن اللبن الحادث على ملكه، ولكن ضمن ما في الضرع، فإنه لما اشترى المصراة وفيها لبن تلف عنده، كان عليه ضمانه، وإنما قدر الشارع البدل؛ لأنه اختلط اللبن القديم باللبن الحادث، فلم يبق يعرف مقدار اللبن القديم.
فلهذا لم يمكن ضمانه بمثله ولا بقيمته، فقدر الشارع في ذلك بدلا يقطع به النزاع، كما قدر ديات النفس وديات الأعضاء ومنافعها، ونحو ذلك من المقدرات التي يقطع بها نزاع الناس، فإنه إذا أمكن العلم بمقدار الحق، كان هو الواجب. وإذا تعذر ذلك شرع الشارع ما هو أمثل الطرق وأقربها إلى الحق.
فتارة يأمر بالخَرْصِ [الخَرْصُ: الحَزْر. يقال: خرصت النخلة: إذا حزرت ما عليها من التمر، فهو من الخَرْص، أي: الظن؛ لأن الحزْر إنما هو تقديرُ بِظَنٍّ] إذا تعذر الكيل أو الوزن، إقامة للظن مقام العلم عند تعذر العلم، ويأمر بالاستهام لتعيين المستحق عند كمال الإبهام. وتارة يقدر بدل الاستحقاق إذا لم يكن طريق آخر لقطع الشقاق، ورد المشترى للصاع بدل ما أخذ من اللبن من هذا الباب.
وفي المسألة حكاية ثانية، ذكرها أبو سعيد بن السمعاني عن الشيخ العارف يوسف الهمداني، عن الشيخ الفقيه أبي إسحاق الشيرازي، عن القاضي أبي الطيب الطبري، قال: كنا جلوسًا بالجامع ببغداد، فجاء خراساني سألنا عن المصراة، فأجبناه فيها، واحتججنا بحديث أبي هريرة، فطعن في أبي هريرة،/فوقعت حية من السقف، وجاءت حتى دخلت الحلقة وذهبت إلى ذلك الأعجمي فضربته فقتلته.
ونظير هذه ما ذكره الطبراني في كتاب السنة عن زكريا بن يحيى الساجي قال: كنا نختلف إلى بعض الشيوخ لسماع حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فاسترعنا في المشي، ومعنا شاب ماجن. فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة، لا تكسروها. قال: فما زال حتى جفته رجلاه، ولهذا نظائر، نسأل اللّه تعالى الاعتصام بكتابه، و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم واتباع ما أقام من دليله، واللّه ـ سبحانه ـ أعلم.
/ وَسُئِلَ ـ أَيْضًا ـ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ـ عن فرقة من المسلمين يقرون بالشهادتين ويصومون، ويحجون ويخرجون الزكاة، ويجاهدون أنفسهم في مرضاة اللّه، غير أنهم يكفرون سابِّي صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرجوا لأحد توبة إذا تاب وأن المصر على ذلك مخلد في النار، ومن قال بتوبتهم يسمونهم الرجوية ولا يصلون إلا مع من يتحققون عقيدته، وما يتفوه أحدهم من شىء أو يسأل عن شىء إلا يقول: إن شاء اللّه. فهل هم مصيبون في أفعالهم؟ أم مخطئون في أقوالهم؟
فَأَجَاب:
الحمد للّه، هؤلاء قوم مسلمون لهم ما لأمثالهم من المسلمين، يثيبهم اللّه على إيمانهم باللّه ورسوله، وطاعتهم للّه ورسوله، ولا يذهب بذلك إيمانهم وتقواهم بما غلطوا فيه من هذه المسائل، كسائر طوائف المسلمين الذين أصابوا في جمهور ما يعتقدونه ويعملونه، وقد غلطوا في قليل من ذلك، فهؤلاء بمنزلة أمثالهم من المسلمين.
/وقولهم: إن توبة سابِّ الصحابة لا تقبل، وأنه مخلد في النار خطأ، بل الذي عليه السلف والأئمة كالأئمة الأربعة وغيرهم: أن توبة الرافضي تقبل كما تقبل توبة أمثاله، والحديث الذي