فهرس الكتاب
وإن قال قائل: فالرافضة الذين يبغضونه يظنون أنه كان عدوًا للنبي صلى الله عليه وسلم لما يذكر لهم من الأخبار التي تقتضي أنه كان يبغض النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته فأبغضوه لذلك.
قيل: إن كان هذا عذرًا يمنع نفاق الذين يبغضونه جهلًا وتأويلًا، فكذلك المبغضون لعلي الذين اعتقدوا أنه كافر مرتد، أو ظالم فاسق، فأبغضوه لبغضه لدين الإسلام، أو لما أحبه الله وأمر به من العدل، ولا عتقادهم أنه قتل المؤمنين بغير حق، وأراد علوًا في الأرض وفساداُ، وكان كفرعون ونحوه، فإن هؤلاء وإن كانوا جهالًا فليسوا بأجهل ممن اعتقد في عمر أنه فرعون هذه الأمة، فإن لم يكن بغض أولئك لأبي بكر وعمر نفاقًا لجهلهم وتأويلهم، فكذلك بغض هؤلاء لعلي بطريق الأولى والأحرى، وإن كان بغض علي نفاقًا وإن كان المبغض جاهلًا متأولًا فبغض أبي بكر وعمر أولى أن يكون نفاقًا حينئذ، وإن كان المبغض جاهلًا متأولًا)
تعليق
في هذا الموضع الطريف يبين شيخ الإسلام أن الرافضة يبغضون عليًا؟ لأنهم في الحقيقة قد أحبوا شخصًا لا وجود له إلا في أذهانهم، ولا يحبوا عليًا رضي الله عنه على حقيقته الثابتة عند المؤمنين، فهم كاليهود مع موسى، والنصارى مع عيسى عليهما السلام.
ثم بين الشيخ أن حديث علي - رضي الله عنه:"لا يبغضني إلا منافق"ينطبق على الرافضة، فهم منافقون لأنهم يبغضون عليًا (الحقيقي) ، ويحبون عليًا (الوهمي) .
وهذا الحديث ليس من خصائص علي أيضًا، فقد شاركه غيره فيه كالأنصار.
ثم ذكر الشيخ أن الرافضة الذين يبغضون أبا بكر لا حجة لهم قائمة أمام الذين يبغضون عليًا فما يدعونه في أبي بكر من أسباب البغض يمكن ادعاء أكثر منه في علي، وكلاهما قد برأه الله من ذلك، ولكن الروافض قوم لا يفقهون.
فهذا من باب (الحجج المحرجة) كما سبق، ولا دخل له في (التنقص) من بعيد أو قريب
الموضع الثامن: قال شيخ الإسلام:
(فإن جاز لرافضي أن يقدح فيهما يقول: بأي وجه تلقون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ مع أن الواحد منا لو تحدث مع امرأة غيره حتى أخرجها من منزلها وسافر بها، مع أن ذلك إنما جعلها بمنزلة الملكة التي يأتمر بأمرها ويطيعها، ولم يكن إخراجها لمظان الفاحشة - كان لناصبي أن يقول: بأي وجه يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قاتل امرأته وسلط عليها أعوانه حتى عقروا بها بعيرها، وسقطت من هودجها، وأعداؤها حولها يطوفون بها كالمسبية التي أحاط بها من يقصد سباءها؟ ومعلوم أن هذا مظنة الإهانة لأهل الرجل وهتكها وسبائها وتسليط الأجانب على قهرها وإذلالها وسبها وامتهانها، أعظم من إخراجها من منزلها بمنزلة الملكة العظيمة المبجلة التي لا يأتي إليها أحد إلا بإذنها، ولا يهتك أحد سترها، ولا ينظر في خدرها.
ولم يكن طلحة والزبير ولا غيرهما من الأجانب يحملونها، بل كان في العسكر من محارمها، مثل عبدالله بن الزبير ابن أختها، وخلوة ابن الزبير بها ومسه لها جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وكذلك سفر المرأة مع ذي محرمها جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وهي لم تسافر إلا مع ذي محرم منها. وأما العسكر الذين قاتلوها، فلولا أنه كان في العسكر محمد بن أبي بكر مد يده إليها لمد يده إليها الأجانب، ولهذا دعت عائشة رضي الله عنها على من مد يده إليها قالت: يد من هذه؟ أحرقها الله بالنار. فقال: أي أخية في الدنيا قبل الآخرة. فقالت: في الدنيا قبل الآخرة ز فأحرق بالنار بمصر.