فهرس الكتاب
في هذا الموضع يقابل شيخ الإسلام بين حجج الرافضة في ذم طلحة والزبير - رضي الله عنهما - وحجج النواصب في ذم علي -رضي الله عنه - ويبين أنه ما من شبهة يقيمها الروافض على ذم طلحة والزبير إلا وللنواصب أشد منها، وهذا من قبيل (الحجج المحرجة) كما سبق. وليس من قبيل التنقص، وإنما ساق الشيخ (هذيان) النواصب لدفع (هذيان) الروافض.
وتأمل ما خط بالأسود مما يدل على مقدار محبته وتعظيمه لعلي - رضي الله عنه - وإنزاله في منزلته التي أرادها الله له.
ثم تأمل قوله في الأخير: (أهل السنة يتكلمون بعلم وعدل ويعطون كل ذي حق حقه) .
الموضع التاسع: قال شيخ الإسلام:
(قالوا ومعاوية أيضًا كان خيرًا من كثير ممن استنابه علي، فلم يكن يستحق أن يعزل ويولى من هو دونه في السياسة، فإن عليًا استناب زياد بن أبيه، وقد أشاروا على علي بتولية معاوية. قالوا: يا أمير المؤمنين توليه شهرًا واعزله دهرًا. ولا ريب أن هذا كان هو المصلحة، إما لا ستحقاقه وإما لتأليفه واستعطافه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من علي، وولى أبا سفيان، ومعاوية خير منه، فولى من هو خير من علي من هو دون معاوية.
فإذا قيل: إن عليًا كان مجتهدًا في ذلك.
قيل: وعثمان كان مجتهدًا فيما فعل. وأين الاجتهاد في تخصيص بعض الناس بولاية أو إمارة أو مال، من الاجتهاد في سفك المسلمين بعضهم دماء بعض، حتى ذل المؤمنين وعجزوا عن مقاومة الكفار، حتى طمعوا فيهم وفي الاستيلاء عليهم؟ ولا ريب أنه لو لم يكن قتال، بل كان معاوية مقيمًا على سياسة رعيته، وعلي مقيمًا على سياسة رعيته، لم يكن في ذلك من الشر أعظم مما حصل بالاقتتال، فإنه بالاقتتال لم تزل هذه الفرقة ولم يجتمعوا على إمام، بل سفكت الدماء، وقويت العداوة والبغضاء، وضعفت الطائفة التي كانت أقرب إلى الحق، وهي طائفة علي، وصاروا يطلبون من الطائفة الأخرى من المسالمة ما كانت تطلبه ابتداء.
ومعلوم أن الفعل الذي تكون مصلحته راجحة على مفسدته، يحصل به من الخير أعظم مما يحصل بعدمه، وهنا لم يحصل بالاقتتال مصلحة، بل كان الامر مع عدم القتال خيرًا وأصلح منه بعد القتال، وكان علي وعسكره أكثر وأقوى، ومعاوية وأصحابه أقرب إلى موافقته ومسالمته ومصالحته، فإذا كان مثل هذا الاجتهاد مغفورًا لصاحبه، فاجتهاد عثمان أن يكون مغفورًا أولى وأحرى.
وأما معاوية وأعوانه فيقولون: إنما قاتلنا عليًا قتال دفع عن أنفسنا وبلادنا، فإنه بدأنا بالقتال فدفعناه بالقتال ولم نبتدئه بذلك ولا اعتدينا عليه. فإذا قيل لهم: هو الإمام الذي كانت تجب طاعته عليكم ومبايعته وأن لا تشقوا عصا المسلمين. قالوا ما نعلم أنه إمام تجب طاعته، لأن ذلك عند الشيعة إنما يعلم بالنص، ولم يبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم نص بإمامته ووجوب طاعته. ولا ريب أن عذرهم في هذا ظاهر، فإنه لو قدر أن النص الجلي الذي تدعيه الإمامية حق، فإن هذا قد كتم وأخفى في زمن أبي بكر وأصحابه مثل ذلك لو كان حقا، فكيف إذا كان باطلًا؟)
تعليق
في هذا الموضع يمارس الشيخ رحمه الله موهبته في ضرب شبهات الروافض بشبهات النواصب لتسقط الشبهتان ويبقي منهج أهل السنة المعتدل.
فهو يحرج الرافضة بأن جميع ما يقولونه في عثمان أو معاوية هو لازم لعلي، لا مناص من ذلك.