الصفحة 93 من 575

وهكذا في الإباحات، كما استباح أبو طلحة أكل البرد وهو صائم، واستباح حذيفة السحور بعد ظهور الضوء المنتشر حتى قيل: هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع. وغيرهما من الصحابة لم يقل بذلك، فوجب الرد إلى الكتاب والسنة.

وكذلك الكراهة والتحريم. مثل كراهة عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت، وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع، أو التمتع مطلقًا، أو رأى تقدير مسافة القصر بحد حده، وأنه لا يقصر بدون ذلك، أو رأى أنه ليس للمسافر أن يصوم في السفر.

ومن ذلك قول سلمان: إن الريق نجس، وقول ابن عمر: إن الكتابية لا يجوز نكاحها، وتوريث معاذ ومعاوية للمسلم من الكافر، ومنع عمر وابن مسعود للجنب أن يتيمم، وقول على وزيد وابن عمر في المفوِّضة: إنه لا مهر لها إذا مات الزوج، وقول على وابن عباس في المتوفى عنها الحامل: إنها تعتد أبعدَ الأجلين، وقول ابن عمر وغيره: إن المحرم إذا مات بطل إحرامه وفعل به ما يفعل بالحلال.

وقول ابن عمر وغيره: لا يجوز الاشتراط في الحج، وقول ابن عباس وغيره في المتوفى عنها: ليس عليها لزوم المنزل، وقول عمر وابن مسعود: إن المبتوتة لها السكنى والنفقة. وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة، فإنه يجب فيه الرد إلى الله والرسول، ونظائر هذا كثيرة فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن قال من العلماء: [إن قول الصحابى حجة] فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارًا على القول، فقد يقال: [هذا إجماع إقراري] إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد منهم، وهم لا يقرون على باطل.

وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال: [حجة] . وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق، وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم.

وإذا كان كذلك، فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم بعد موته من غير أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم داعيا له ولا شافعا فيه، فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به، فلما مات لم يتوسلوا به.

بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور، لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل سمنًا حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بالعباس قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون. وهذا دعاء أقره علىه جميع الصحابة ولم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية.

ودعا بمثله معاوية بن أبى سفيان في خلافته لما استسقى بالناس.

فلو كان توسلهم بالنبى صلى الله عليه وسلم بعد مماته كتوسلهم به في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما، ونعدل عن التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم الذى هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته.

وحديث الأعمى حجة لعمر وعامة الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبى صلى الله عليه وسلم ودعائه لا بذاته، وقال له في الدعاء: (قل: اللهم فشفعه فى)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت