مقدمة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد؛
فقد اعتنى العلماء بفن علوم الحديث عناية بالغة، وأولوه اهتماما فائقا؛ فكثرت فيه التصانيف، وتنوعت فيه التأليف ما بين مبسوط ومختصر، وما بين منظوم ومنثور، وما بين متون وشروح، وبين ما هو عام شامل لعموم مسائله، وما هو خاص ممحض لبعضها دون بعض.
ومن هذا القبيل هذه الرسالة الحافلة الكافية الشافية في موضوعها ؛ فقد خصصها الإمام محمد بن الحسن الجوهري - أحد علماء القرن الرابع الهجري - لقضية اصطلاحية مهمة حصل فيها خلاف بين أرباب الاصطلاح وهي التسوية بين لفظي "حدثنا" و"أخبرنا". وتفنن فيها غاية التفنن، وأبدع فيها أيما إبداع؛ فافتتحها بذكر السبب المقتضي لتأليفها وهو سؤال بعض الناس ثم ذكر الخلاف بين أهل العلم في المسألة ليعقب باختياره وما يراه صوابا وهو عدم التفريق بينهما - أعني: "حدثنا" و"أخبرنا" - لينتقل إلى الاحتفال في إيراد الأدلة والشواهد الكفيلة بصحة ما ذهب إليه من أوجه عديدة منها: - أنه اختيار الأئمة الكبار - كأبي حنيفة والثوري ومالك وسفيان وغيرهم ومنها دلالات القرآن الكريم ثم دلالات الأحاديث النبوية.
يقول الجوهري: "ففي كل هذه الأخبار وجملة هذه الآثار المتواترة الصحيحة التي لا يتهيأ عليها التواطي، ولا يدخلها الشك ولا الريب تبيان استواء الخبر والحديث وأن كل ما يقال فيه "حدثنا" يقال فيه: "أخبرنا" ؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاطب أصحابه بأنه مخبرهم ثم ذكرهم الخبر لفظا، وذلك إنما يقال عند خصومنا: "حدثنا" و"أخبرنا"⁽١⁾"⁽٢⁾.
ثم عطف إلى الآثار عن الصحابة ثم استعراض الشواهد من لغة العرب ثم ختم بالقياس المؤسس على الأصول.
والحقيقة أن تناول الجوهري للمسألة وتشريحها بهذه الطريقة لهو أكبر دليل على فكر منهجي،
--------------------
(١) كذا في النص، والسياق يقتضي أن تكون: [لا أخبرنا]
(٢) انظر: ما سيأتي في الإنصاف ص/؟ التواطؤ، ولا يدخلها الشك ولا الريب تبيان استواء الخبر والحديث وأن كل ما يقال فيه "حدثنا" يقال