الصفحة 68 من 119

السرائر أي تظهر وتشتهر كما في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند أسته بقدر غدرته, فيقال هذه غدرة فلان بن فلان» وهكذا يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر ويخزيهم الله على رؤوس الخلائق ويقول لهم الرب تبارك وتعالى مقرعًا لهم وموبخًا (أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم) تحاربون وتعادون في سبيلهم أين هم عن نصركم وخلاصكم ههنا؟ (هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ) (الشعراء: 93) ... (فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ) (الطارق: 10) فإذا توجهت عليهم الحجة وقامت عليهم الدلالة, وحقت عليهم الكلمة وسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار؛ (قال الذين أوتوا العلم) وهم السادة في الدنيا والاَخرة, والمخبرون عن الحق في الدنيا والاَخرة, فيقولون حينئذ: (إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين) أي الفضيحة والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله وأشرك به ما لا يضره وما لا ينفعه.

وقوله تعالى: (الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السّلَمَ مَا كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوَءٍ بَلَىَ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوَا أَبْوَابَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبّرِينَ)

يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمين أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة (فألقوا السلم) أي أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: (ما كنا نعمل من سوء) كما يقولون يوم المعاد (وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) (الأنعام: 23) ؛ (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (المجادلة: 18) .. قال الله مكذبًا لهم في قيلهم ذلك: (بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون * فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين) أي بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان لمن كان متكبرًا عن آيات الله واتباع رسله, وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم, وينال أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها, فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم وخلدت في نار (لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) (فاطر: 36) كما قال الله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر: 46) .

وقال السعدي رحمه الله:

قوله تعالى: (إلهكم إله واحد) = هو الله الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فأهل الإيمان والعقول، أحلته قلوبهم وعظمته، وأحبته حبا عظيما، وصرفوا له كل ما استطاعوا من القربات البدنية والمالية، وأعما*ل القلوب وأعمال الجوارح، وأثنوا عليه بأسمائه الحسنى، وصفاته وأفعاله المقدسة، (فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة) لهذا الأمر العظيم الذي لا ينكره إلا أعظم الخلق جهلا وعنادا ... ، وهو: توحيد الله ... (وهم مستكبرون) عن عبادته. (لا جرم) أي: حقا .. لا بُد (أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) من الأعمال القبيحة .. (إنه لا يحب المستكبرين) بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم من جنس عملهم (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت