فهرس الكتاب
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (ولا تصعر خدك للناس) يقول لا تتكبر فتحقر عباد الله, وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك, وكذا روى العوفي وعكرمة عنه. وقال مالك عن زيد بن أسلم (ولا تصعر خدك للناس) لا تتكلم وأنت معرض, وكذا روي عن مجاهد وعكرمة ويزيد بن الأصم وأبي الجوزاء وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد وغيرهم. وقال إبراهيم النخعي: يعني بذلك التشديق في الكلام. والصواب القول الأول. وقال ابن جرير: وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها, حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها, فشبه به الرجل المتكبر, ومنه قول عمرو بن حيي التغلبي.
وكنا إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من ميله فتقوما
وقال أبو طالب في شعره: ... وكنا قديمًا لا نقر ظلامةإذا ... ما ثنوا صعر الرؤوس نقيمها
وقوله (ولا تمش في الأرض مرحا) أي خيلاء متكبرًا جبارًا عنيدًا, لا تفعل ذلك يبغضك الله, ولهذا قال (إن الله لا يحب كل مختال فخور) أي مختال معجب في نفسه, فخور أي على غيره. وقال تعالى: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) (الإسراء: 37) ... . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي, حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى, حدثنا أبي عن ابن أبي ليلى عن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشدد فيه, فقال « (إن الله لا يحب كل مختال فخور) » فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله، إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها, ويعجبني شراك نعلي, وعلاقة سوطي, فقال «ليس ذلك الكبر, إنما الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس» ورواه من طريق أخرى بمثله, وفيه قصة طويلة, ومقتل ثابت ووصيته بعد موته.
وقوله: (واقصد في مشي) أي امش مقتصدًا مشيًا ليس بالبطيء المتثبط, ولا بالسريع المفرط, بل عدلًا وسطا بين بين. وقوله: (واغضض من صوتك) أي لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه, ولهذا قال: (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير, أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه, ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى, وهذا التشبيه في هذا بالحمير, يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم, لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» .
وقال النسائي عند تفسير هذه الاَية: حدثنا قتيبة بن سعيد , حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله, وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان, فإنها رأت شيطانًا» وقد أخرجه بقية الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن جعفر بن ربيعة به, وفي بعض الألفاظ: بالليل, فالله أعلم.
فهذه وصايا نافعة جدًا, وهي من قصص القرآن عن لقمان الحكيم, وقد روي عنه من الحكم والمواعظ أشياء كثيرة, فلنذكر منها أنموذجًا ودستورًا إلى ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق, أخبرنا ابن المبارك, أخبرنا سفيان, أخبرني نهشل بن مجمع الضبي عن قزعة عن ابن عمر قال: أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئًا حفظه» . وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا عيسى بن يونس