ومن سلك طريقَهُ لطلب العلم على ما ذكرناه تَمكَّن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبًا ؛ لأن أصولَها توجد في تلك الأصول المشارِ إليها، ولابدَّ أن يكونَ سلوكُ هذا الطريق خلفَ أئمةِ أهله المجمَع على هدايتهم ودرايتهم؛ كالشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي عبيدٍ، ومَن سلك مسلكهم؛ فإن من ادَّعى سلوكَ هذا الطريق على غير طريقهم وقعَ في مفاوزَ ومهالكَ، وأخذ بما لا يجوز الأخذ به، وتركَ ما يجبُ العمل به.
ومِلاكُ الأمرِ كلِّه: أن يقصدَ بذلك وجهَ الله والتقرُّبَ إليه؛ بمعرفة ما أنزله على رسوله، وسلوكِ طريقه، والعمل بذلك، ودعاءِ الخلق إليه، ومن كان كذلك وفَّقَه الله وسدَّده، وألهمه رُشْدَه، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحينَ في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فَاطِر: 28] ، ومن الراسخينَ في العلم....
قال نافعُ بن يزيد: يقال: الراسخون في العلم: المتواضعونَ لله، المتذلِّلونَ لله في مَرْضاته، لا يتعاظَمون على مَن فوقهم، ولا يَحْقِرون مَن دونهم [43] .
ويشهدُ لهذا قولُ النبي صلى الله عليه وسلم:"أتاكم أهلُ اليمن، هُمْ أَبَرُّ قلوبًا، وأَرَقُّ أفئِدَةً، الإيمانُ يَمانٍ، والفقهُ يَمانٍ، والحكمةُ يمانيَّة" [44] . وهذا إشارةٌ منه إلى أبي موسى الأشعري ومَن كان على طريقه من علماء أهل اليَمَن، ثم إلى مثل أبي مسلمٍ الخَوْلانيِّ، وأُوَيس القَرَني، وطاوس، ووَهْب بن مُنَبِّه، وغيرهم من علماء أهل اليمن، وكُلُّ هؤلاء من العلماء الربانيِّين الخائفين لله، وكلُّهم علماءُ بالله يخشونه ويخافونه، وبعضُهم أوسع علمًا بأحكام الله وشرائع دينه من بعض، ولم يكن تميُّزهم عن الناس بكثرة قيلٍ وقال، ولا بحثٍ ولا جدال.