الصفحة 6 من 23

ولم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُرَخِّصُ في المسائل إلا للأعراب ونحوهم من الوفُود القادمين عليه؛ يتألَّفُهم بذلك، فأما المهاجرونَ والأنصارُ المقيمون بالمدينة الذين رَسَخَ الإيمان في قلوبهم فنُهوا عن المسألة؛ كما في «صحيح مسلم» [29] عن النوَّاس بن سَمْعان قال: أقمتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنةً، ما يمنَعُني من الهجرة إلا المسألةُ؛ كان أحدُنا إذا هاجرَ لم يسألِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم [30] .

وفيه أيضًا [31] عن أنس قال: نُهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيءٍ، فكان يُعْجبنا أن يجيءَ الرجلُ من أهل البادية العاقلُ فيسأله ونحن نسمع....

وأشار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى أن في الاشتغالِ بامتثال أمره واجتناب نهيه شُغلًا عن المسائل، فقال:"إذا نهيتُكُم عن شيءٍ فاجتَنبُوه، وإذا أمرتُكُم بأمرٍ فَأْتُوا منه ما استَطَعتُم".

فالذي يتعيَّن على المسلم الاعتناءُ به والاهتمامُ: أن يبحثَ عما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يجتهدَ في فَهْم ذلك والوقوف على معانيه، ثم يشتغلَ بالتصديق بذلك إن كانَ من الأمور العِلميَّة، وإن كان من الأمور العَمليَّة؛ بذل وُسعَه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعُه من الأوامر، واجتناب ما يُنْهى عنه، وتكون هِمَّته مصروفةً بالكُلِّيَّةِ إلى ذلك، لا إلى غيره.

وهكذا كان حالُ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسانٍ في طلب العلم النافع من الكتاب والسنة.

فأما إن كانت همَّةُ السامع مصروفةً عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمورٍ قد تقَعُ وقد لا تقع؛ فإن هذا مما يدخُل في النهي، ويُثَبِّط عن الجِدِّ في متابعة الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت