فهرس الكتاب
أحرقت /ليا/ (السفن من خلفها) وبالبقيّة الباقية من (كازِها) أطلقت قنابل خوفها في وجه الريح. أطبقت فكّيها بشدّة، وهصرت حَنْكَهَا مغالبةً الوخز في قلبها وكبدها. أما ساقاها فحلّقتا بلا وزن في الهواء ولم تكن تحس بارتطام كعبيها بالأرض.
لم تركض، إنما طارت طيرانًا... وعواء الكلب الأسود يمزق نياط قلبها.
احتقنت عيناها بالدمع وصدرُها بالانفعال وأنفها بالمخاط...، أين سيعضُها هذا المسعور؟ لابدّ سيغرز كلاليبهُ في قصبة ساقها، لَم لا، إنها دسمة…، وإذا وثب ماطًّا قامته فسينهش ساعدِها ويقضم تفاحة كتفها المكتنزة.
-عوّ ... عوّ وّ وّ وّ ...
استبسلت /ليا/ في فرار أُعجوبي من اللعنة السوداء خلفها و (العوعَوّ) التي تطاردها كفوهة مسدس طائش، ولم تعي بلَل فخذيها بإفرازات مالحة، ولو وَعت لتساءلت إن كانت من منشأ بولي أم عرقي فهي تسبح في العرق من نافوخها إلى مُقعّر قدمها.
لا تذكر بالتحديد من أفادها بمعلومة عن علاقة اللون الأسود باهتياج الكلاب، ولا تستطيع الجزم بدقّتها. يكفي أن تضبط الكلاب كائنًا يجري كي تطاردُه بغريزة عدوانية عمياء...
لص؟!
(عفوًا، إنني لستُ لصّة أيها الغبي) . أرادت أن تصرخ فُنباح الكلب لم يتوقف، لكن هل يتهيّأ لها أنهُ يخفت؟! لو التفتت (إنشًا) لأعطت الحيوان مبررًا إضافيًا لمطاردتها واتهامها بشيء… وهكذا، غالبت ضعفها واختلاط مشاعرها بين رعب وألم وغضب وتعب وابتهال وشفقة على نفسها، وشعرت جسمَها مفرغًا من الداخل كأنه بلا أحشاء والهواء يسبح بين جدرانه، وهي تطير، تطير، تمسخ الأبعاد وتحتضن الجهات، …وأهمّ ما فاتها في حمّى هلَعها تصوّر المسافة التي سلختها، والسرعة الإعجازيّة التي جعلتها تنقذف برشاقة زرافة، وشراسة محارب، ومضاء باشق، ولم تعلم كم كتفًا لطم كتفها؟ وبكم ذراع وخاصرة احتكت يدها؟ وكم وجهًا التفتَ صوبها مبهورًا.. .
تحركت أمامها وحولها أشباح ممّوهة الحقيقة مجهولة الماهيّة وسمعت نداءات مشتبكة وأصوات عاصفة ورأت مخلوقات تخبخب عن يمينها ويسارها ثم تنطفئ تدريجيًا حتى لم يبقَ شيء… أما الكلب الذي انشغلَ عنها لشأن من شؤونه فبقيَ صوته يرتجّ في أذنها بغطرسة وفخامة كمطرقة تقرع صاجًا نحاسيًا:
-عَوّ عو عو عو .. .
ومن الكُوى المفتوحة في غَبَش عينيها، أبصرت /ليا/ على مقربة باب ملعب أولمبي يُشرع صدرهُ لاحتوائها، وشريط عرضاني بطول أربعة أمتار وعرض عشرة سنتي مترات ينتظر ملامسة خصرها...