الصفحة 54 من 228

يقول تعالى ـ مرغبا الخلق ، في الإقبال على هذا الكتاب الكريم ، بذكر أوصافه الحسنة الضرورية للعباد فقال:"يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم"أي: تعظكم ، وتنذركم عن الأعمال الموجبة لسخط الله ، المقتضية لعقابه ، وتحذركم عنها ببيان آثارها ومفاسدها ."وشفاء لما في الصدور"وهو: هذا القرآن ، شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد للشرع ، وأمراض الشبهات ، القادحة في العلم اليقيني . فإن ما فيه من المواعظ ، والترغيب ، والترهيب ، والوعد والوعيد ، مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة . وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير ، والرهبة عن الشر ، ونمتا على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن ، أوجب ذلك تقديم مراد الله على مراد النفس ، وصار ما يرضي الله أحب إلى العبد من شهوة نفسه . وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرفها الله ، غاية التصريف ، وبينها أحسن بيان ، مما يزيل الشبه القادحة في الحق ، ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين . وإذا صح القلب من مرضه ، ورفل بأثواب العافية ، تبعته الجوارح كلها ، فإنها تصلح بصلاحه ، وتفسد بفساده ،"وهدى ورحمة للمؤمنين"فالهدى هو العلم بالحق والعمل به . والرحمة هي: ما يحصل من الخير والإحسان ، والثواب العاجل والآجل ، لمن اهتدى به . فالهدى ، أجل الوسائل ، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب ، ولكن لا يهتدي به ، ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين . وإذا حصل الهدى وحلت الرحمة الناشئة عنه ، حصلت السعادة والفلاح ، والربح والنجاح ، والفرح والسرور . ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك فقال:"قل بفضل الله"الذي هو القرآن ، الذي هو أعظم نعمة ومنة ، وفضل تفضل الله به على عباده"ورحمته"الدين والإيمان ، وعبادة الله ومحبته ومعرفته ."فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون"من متاع الدنيا ولذاتها . فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين ، لا نسبة بينها وبين جميع ما في الدنيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت