فهرس الكتاب
قوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ*)
"سماعون للكذب"والسمع ههنا، سمع استجابة أي: من قلة دينهم وعقلهم، أن استجابوا لمن دعاهم إلى القول الكذب.
"أكالون للسحت"أي: المال الحرام، بما يأخذونه على سفلتهم وعوامهم، من المعلومات والرواتب، التي بغير الحق. فجمعوا بين اتباع الكذب، وأكل الحرام."فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"فأنت مخير في ذلك. وليست هذه منسوخة، فإنه ـ عند تحاكم هذا الصنف إليه ـ يخير بين أن يحكم بينهم، أو يعرض عن الحكم بينهم، بسبب أنه، لا قصد لهم في الحكم الشرعي، إلا أن يكون موافقا لأهوائهم. وعلى هذا، فكل مستفت ومتحاكم إلى عالم، يعلم من حاله، أنه، إن حكم عليه، لم يرض، لم يجب الحكم، ولا الإفتاء لهم. فإن حكم بينهم، وجب أن يحكم بالقسط، ولهذا قال:"وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين". حتى ولو كانوا ظلمة وأعداء، فلا يمنعك ذلك من العدل في الحكم بينهم. وفي هذا بيان فضيلة العدل والقسط في الحكم بين الناس، وأن الله تعالى يحبه. ثم قال متعجبا منهم:"وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين". فإنهم ـ لو كانوا مؤمنين عاملين بما يقتضيه الإيمان ويوجبه ـ لم يصدفوا عن حكم الله الذي في التوراة، التي بين أيديهم، إلا لعلهم أن يجدوا عندك ما يوافق أهواءهم. وحين حكمت بينهم بحكم الله الموافق لما عندهم أيضا، لم يرضوا بذلك، بل أعرضوا عنه، فلم يرتضوه أيضا. قال تعالى:"وما أولئك"الذين هذا صنيعهم"بالمؤمنين"أي: ليس هذ دأب المؤمنين، وليسوا حريين بالإيمان. لأنهم جعلوا آلهتهم أهواءهم، وجعلوا أحكامَ الإيمان تابعةً لأهوائهم.
قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
"إنا أنزلنا التوراة"على موسى بن عمران، عليه الصلاة والسلام."فيها هدى"يهدي إلى الإيمان والحق، ويعصم من الضلالة."ونور"يستضاء به في ظلم الجهل والحيرة والشكوك، والشبهات، والشهوات. كما قال تعالى:"ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين""يحكم بها"بين الذين هادوا، أي: اليهود في القضايا والفتاوى"النبيون الذين أسلموا"لله، وانقادوا لأوامره، الذين إسلامهم، أعظم من