فهرس الكتاب
قال: (وما يعلم جنود ربك الا هو) إعلاما بأن الأمر فوق ما يتوهم، وان الخبر إنما هو عن بعض القدرة لا عن كلها، والسماء كلها عامرة بأنواع من الملائكة كلهم في عبادة متصلة وخشوع دائم وطاعة لا فترة في شيء من ذلك ولا دقيقة واحدة ... وقوله تعالى: (وما هي الا ذكرى للبشر) قال مجاهد الضمير في قوله (وما هي) للنار المذكورة أي يذكرها البشر فيخافونها فيطيعون الله تعالى .. وقال بعض الحذاق قوله تعالى (وما هي) يراد بها الحال والمخاطبة والنذارة ... قال الثعلبي وقيل (وما هي) يراد نار الدنيا أي إن هذه تذكرة للبشر بنار الآخرة .. وقوله عز وجل (كلا) رد على الكافرين وانواع الطاغين على الحق .. ثم قال: (والقمر) أقسم بالقمر، وهذا تخصيص تشريف وتنبيه على النظر في عجائبه وقدرة الله تعالى في حركاته المختلفة التي هي مع كثرتها واختلافها على نظام واحد لا يختل؛ وكذلك هو القسم: (والليل) ، (والصبح) .. فيعود التعظيم في آخر الفكرة وتحصيل المعرفة الى الله تعالى مالك الكل وقوام الوجود ونور السماء والارض لا إله الا هو العزيز القهار ... وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر عن عاصم (إذ أدبر) بفتح الدال والباء وهي قراءة ابن عباس وابن المسيب وابن الزبير ومجاهد وعطاء ويحيى بن يعمر وأبي جعفر وشيبة وأبي الزناد وقتادة وعمر بن عبد العزيز والحسن وطلحة ... وقرا نافع وحمزة وحفص عن عاصم (إذا أدبر) بسكون الدال وبفعل رباعي وهي قراءة سعيد بن جبير وأبي عبد الرحمن والحسن بخلاف عنهم والأعرج وأبي شيخ وابن محيصن وابن سيرين قال يونس بن حبيب (دبر) معناه انقضى و (أدبر) معناه تولى .. وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب (إذ أدبر) بفتح الدال وألف وبفعل رباعي وهي قراءة الحسن وأبي رزين وأبي رجاء ويحيى بن يعمر ... وسأل مجاهد ابن عباس عن دبر الليل فتركه حتى إذا سمع المنادي الأول للصبح قال له: يا مجاهد هذا حين دبر الليل ... وقال قتادة دبرالليل ولى ... قال الشاعر الأصمعي:
وأبى الذي ترك الملوك وجمعهم ... بهضاب هامدة كأمس الدابر
والعرب تقول في كلامها كأمس المدبر ... قال أبو علي الفارسي فالقراءتان جميعا حسنتان ... (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ) أي أضاء وانتشر ضوءه قبل طلوع الشمس بكثير؛ والإسفار رتب أول ووسط وآخر ومن هذه اللفظة السفر والسفر بفتح السين والسفير وسفرت المرأة عن وجهها كلها ترجع الى معنى الظهور والانجلاء ... وقرا عيسى بن الفضيل وابن السميفع (إذا أسفر) فكأن المعنى طرح الظلمة عن وجهه وضعفها أبو حاتم ... وقوله تعالى: (إنها لإحدى الكبر) قال قتادة وأبو رزين وغيره الضمير لجهنم؛ ويحتمل ان يكون الضمير للنذارة وامر الاخرة .. فهو للحال والقصة وتكون هذه الآية مثل قوله عز وجل: (قل هو نبا عظيم انتم عنه معرضون) (ص 68) ... و (الكبر) جمع كبيرة وقرا جمهور القراء (لإحدى) بهمزة في ألف إحدى ... وروي عن ابن كثير انه قرا (لاحدى) دون همزة وهي قراءة نصر بن عاصم قال ابو علي التخفيف في (لإحدى الكبر) ان تجعل الهمزة فيها بين بين؛ فاما حذف الهمزة فليس بقياس ... وقد جاء حذفها؛ قال أبو الأسود الدؤلي:
يا أبا المغيرة رب امر معضل ... فرجته بالنكر مني والدها
وانشد ثعلب: