فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 129

لقد وقف المصريون من الحملة مواقف متباينة، فالغالبية العظمى من الناس دهشت واستغربت وأصابها الذعر مما ترى وتسمع وتكاد لا تصدق، وتسوّر العامة منهم في عاداتهم وتقاليدهم مستسلمين للأقدار وكان على رأس هؤلاء غالبية العلماء والمشايخ وقد مثّل هذا الاتجاه خير تمثيل المؤرخ المصري المعروف عبد الرحمن الجبرتي 1754-1825 الذي كان قد عاصر الحملة ووصفها وصفًا مستفيضًا ودوّن ما رآه وما سمعه في كتابه الشهير: عجائب الآثار، وقد حوى هذا الكتاب ملاحظات طريفة ودقيقة عن رجال الحملة ولباسهم وطرق طعامهم وأعمالهم العلمية، وبذلك يكون الجبرتي قد سجّل دهشة جيل بأكمله.

أما القلة النادرة من أبناء البلاد والتي ستقع على عاتقها مهام التغيير فقد أخذت تقترب بعد أن هدأت الأحوال من رجال الحملة بحذر مشوب بالريبة والخوف، وكأنها قد شعرت واقتنعت بضرورة التغيير يدفعها هذا الهاجس حينًا وحب الفضول أحيانًا أخرى وكان على رأس هذا الفريق الشيخ حسن العطار أستاذ الطهطاوي وشيخ الأزهر فيما بعد.

كان العطار هذا 1766-1835شيخًا أزهريًا نابهًا وعندما وصلت الحملة وعند قدومها ذعر وخاف ثم هرب إلى الشام مع من هرب من العلماء، وبعد أن هدأت الأحوال عاد إلى بلاده وأخذ يدنو من الفرنسيين ويختلط بهم، فتذوق معاشرتهم وأحب عاداتهم وسبل حياتهم واكتسب كثيرًا من ألفاظهم، ثم بعد ذلك سرعان ما أصبح رائدًا من رواد مجمعهم العلمي وليس هذا فحسب /فقد أصبح يتغزل بنسائهم السافرات/ (8) .

ومما يعرف عن هذا الشيخ اليقظ أنه كان يتنبأ بالتغيير ويدعو إليه، ولعله من الغرابة بمكان أنه لم يحاول أن يغير في الأزهر أو ينيره بالعلوم العصرية أو يحدث فيه شيئًا من هذا القبيل عما كان عليه الحال، ولكنه كان يغذي عقله دائمًا وينيره بمعارف العصر وثقافته، ومن هنا فقد ترك أبلغ الأثر في تلميذه الطهطاوي وكان وراء إيفاده إلى فرنسا ثم في كتابة رحلته فيما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت