فهرس الكتاب
لخطأ في فكّ رموز برقية طرد النديم من القصر، فخرج غاضبًا حاقدًا لا يلوي على شيء ومن جديد انضم إلى الزجالين الظرفاء دون أن يغفل عن مجالس الأدباء وارتيادها، ومن مدينة المنصورة التي اتخذها منطلقًا كتب إلى صديقيه محمد كمال وأحمد علي يصف الحالة التي آل إليها أمره فهو كما يقول//جوّاب سائح قنّاص لكل سانح، زاده من مزوده وصرفه من كيسه ومأواه حجرات الأجر يقطف زهر كل فن.. ثم سأل عن أندية الآداب ليتعرّف بذوي الألباب، فدلّ على شرذمة قليلة سليلة جليلة، فهرول إليها هرولة طامع، وأبدى سن المبتسم وقال: حسبي هؤلاء من المدن والقرى// (8) .
بعد ذلك ارتحل إلى مديرية الدقهلية وهناك اختير معلمًا لأولاد العمدة، ولكن شجارًا على الأجر نشب بينه وبين صاحب البيت، فانصرف النديم دون أن ينال حقه فعاد إلى المنصورة واستضافه أحد الأغنياء فيها واشتركا في تجارة فشلت وتبدد الربحُ ورأس المال.
في هذه القرى التي طاف بها النديم خالط الفلاحين، والتصق بهم في حقولهم وأكواخهم وجلس على موائدهم، واندمج معهم وأصغى إلى أحاديثهم وطرفهم وقصصهم الشعبية، واختزن كل ذلك في ذاكرة لاقطة ناقدة، كما اطلع على جرائم الإقطاع وعرف نتائج الاستغلال والقهر، ثم أخذ يقارن بين هذا الواقع وبين ما كان قد رآه في قصر الأميرة من ثراء وليالي ألف ليلة وليلة، فازداد إحساسه الاجتماعي والإنساني بمأساة الريف المصري، واقتنع بأن الفقر وراء كل شيء، لذلك آمن بالحرية على أنها حلم الخلاص من عبودية الفقر والتبعية للأجانب، وراح يدافع عن الفلاحين بحسه المرهف ونقاوته الثورية وطهرها مما سيجعل أدبه يتسم بمسحة ثورية تنتمي إلى فصيل ثوري ناهض وقوى لها قدرة خارقة على صنع أحداث كان من أهمها الثورة العرابية.