فهرس الكتاب
كان من الطبيعي أن ينفر التيار الإصلاحي والحالة هذه من الثورة ورجالها وأن يحذر منهم وأن يقيم تحالفًا مع الإنكليز والسلطان والخديوي ويتشكك بقدرة الجماهير غير واثق منها، ويرى أنها غير جديرة بحمل المسؤولية، وأخذ يتسرب رجالٌ أصحاب وزن في الثورة من أبرزهم الإمام المصلح محمد عبده الذي أفزعته تلك الشعارات الثوريّة، وفي واقع الأمر فقد عبّر هذا الرجل عن هلع الإصلاحيين جميعًا ممن راودهم الخوف من طموحات الثورة وما تسعى إليه، فكان أول المشككين بقدرة الشعب المصري على قلب الأوضاع وتبديل الحكومات، ورأى أن ذلك يقع على عاتق الصفوة المستنيرة من أبناء الأمة، ويجب ألا تعطى الرعية مالم تستعد له قبل تربيتها وتعليمها أصول الحكم، ومن المعروف أن هذه النقطة كانت سبب خلافه مع أستاذه الأفغاني الذي كان مؤمنًا بالعنف الثوري، ثم اندار الإمام عبده وأخذ يحرّض كبار التّجار والملاكين والإقطاعيين ويطلب إليهم عدم المساواة مع الفقراء لأنه كما يقول: //لم يعهد في أمة من الأمم أن الخواص والأغنياء ورجال الحكومة يطلبون مساواة أنفسهم بسائر الناس وإزالة امتيازاتهم واستئثارهم بالحياة والوظائف بمشاركة الطبقات الدنيا لهم في ذلك//، ويتساءل باستهجان وكأن الأمر أفلت من يد الإصلاحيين// فكيف حصل هذه المرة ومن أهل هذا المجتمع ... ؟ هل تغيرت سنة الله في الخلق وانقلب سير المجتمع الإنساني أم بلغت فيكم الفضيلة حدًا لم يبلغ إليه أحد من العالمين حتى رضيتم واخترتم أن تشاركوا سائر أمتكم في جاهكم ومجدكم وتساووا الصعاليك حبًا بالعدالة والإنسانية أم تسيرون إلى حيث لا تدرون وتعملون بما لا تعلمون ... ؟// (26) ..