فهرس الكتاب
لقد آثر النديم على فقره أن يكون ذلك الصحفيّ الذي صدق أهله وكتب فصولًا للأجيال استنكر فيها ما أصاب الفلاحين على يد موظفي إسماعيل من كرب وذل، واعترض على التقدم المقنّع بالوحشيّة والاستبداد، وتقصّى بدقة تفوق الوصف ما أصاب المصريين في تلك الحقبة التي كان فيها إسماعيل كما يقول النديم: // غارقًا في لذاته ... سائرًا في شهواته ... لا يرفع إلا الأراذل ... ولا يقرّب إلا الأسافل، لقد حمله جشعه على زيادة الطمع، فأرسل إلى الانحاء كلّ صخريّ الفؤاد وحشيّ الأخلاق، وفي الأصل ردئ وفي المنبت سيء التربية خبيث الطبع، لا يرعى حرمة للإنسانية ولاحقًا للدين ولا ذمة للأخلاق، أخذ في بناء السرايات وحشوها في المحسنات، واخترع من الأفلام ما لا تتصوره في الأوهام، وكانت ستة وسبعين جنسًا تحتها أنواع كثيرة لم تدع صغيرة من المظالم ولا كبيرة//..
لم يستفد إسماعيل مما كان قد تعلمه في أوربا من أصول الحكم وكما يملي عليه الواجب، فأقبل على المدرسة التركيّة ومشى على أساليب العثمانيين التي يندى لها الجبين والتي يعرفها كل أبناء شعبنا في إدارة البلاد وحكمها، فكان كما يقول النديم// يبيع الرتب بيع القماش للأوغاد والأوباش، ويستعملهم في الأحكام وهم لا يعرفون ما خطّت الأقلام ... كل هذا ومعدة ظلمه تهضم الحديد ... وجهنم أطماعه تقول هل من مزيد، كانت طرق جمع الضرائب شيئًا تقشعر له الأبدان، قوامها الإذلال والإهانة والإيلام، فإذا هبط مأمور قرية للإشراف على تحصيل الضرائب طلب سكّانها واحدًا بعد واحد، فمن دفع نجا من عذاب أليم، ولا يناله إلا بعض السياط ليشبع نهم المأمور للضرب، ومن قصرت يده ألقاه القوّاصة على الأرض وقطّعوا إهابه بالسياط فإذا نجا من الموت أودع السجن// (35) .