فهرس الكتاب
اقتربت المواجهة، وأحسّ الناس نذر الخوف وبوادر العاصفة، ومن جديد التف الشعب حول رجاله المخلصين، وأوفد عرابي النديم إلى الاسكندرية ليهيء للثورة، وهناك جمع الناس وخطب فيهم، وحثّهم على الوحدة الوطنية واليقظة وعدم التورط في نفق الطائفية التي سيستثمرها الأعداء، وعن هذه المهمة قال: //لقد جمعت الناس ونبهتهم على لزوم السكون إذا كثرت الظنون والبعد عن مجالس الأجانب حتّى تنتهي المصائب وحرضتهم على لزوم الهدوء وعدم التدخل مع العدو، وبينت لهم أن عرابي أخذ عهدة الأمن على نفسه والخديوي يسعى في عكسه// (37)
وكما يروي الشيخ محمد عبده في مذكراته، فقد اعتقل النديم ثم أفرج عنه، ومن توه ذهب إلى القاهرة وفيها نظّم الصفوف خلف الحركة الوطنية، ودعا الناس إلى كتابة العرائض لمندوب السلطان الذي أوفد للتحقيق في حالة البلاد، واحتشد الوطنيون في تظاهرة كبرى حملت تسعين ألفًا من التواقيع ترفض التدخل البريطاني وتطلب حماية البلاد.
شكّل راغب باشا وزارة رضي عنها الوطنيون وضمنت حقوق الأجانب، ولخصت الحركة الوطنية أهدافها بنقاط ثلاث: الوقوف في وجه الإنكليز والتصدي للخديوي ثم الوقوف في وجه السلطان المتآمر، وعلى صفحات الطائف شنّ النديم هجومًا ضاريًا على الدول الاستعمارية، وندد بحشودها العسكرية، ودعا الشعب للدفاع عن أرضه، ثم أتبعه بهجوم على الصحافة الشاميّة التي انحازت إلى جانب الخديوي وصبّ غضبه على الوطني السابق أديب اسحق (38) الذي ابتعد عن الثورة وأصبح// من أصحاب الدعوة إلى الاعتدال في طلب الحريّة. إن ذلك أسخط عليه رجال الثورة العرابية، وكان قد منع جريدته من أن تكون لسان حالها// (39) .