فهرس الكتاب
وقد قال تعالى:"يا أولي الألباب"؛ لأن أولي الألباب - وهي العقول الصحيحة- هم الذين يعقلون عن الله، وهم الذين يفهمون مراده، وهم الذين يقدرون النصائح والأوامر، بخلاف فاقدي العقول فلا قيمة لهم، ومن أعرض عن الله وغفل عنه فليس من أولي الألباب، وإنما أولو الألباب المقبلون على الله ، الراغبون في طاعته، الراغبون فيما ينفع الناس، الناس كلهم مأمورون بالتقوى ، لكن أولي الألباب لهم ميزة؛ لما أعطاهم الله من العقل والبصيرة ، كما قال جل وعلا في آية أخرى:"وليذكر أولو الألباب" (1) ، فكلنا مأمورون بالتذكر والتقوى لكن أولي الألباب لهم شأن ولهم ميزة في فهم أوامر الله وتنفيذها، وهكذا قوله تعالى:"إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب" (2) ، فيه آيات للجميع لك0ل أحد، لكن لا يفهمها ولا يعقلها ولا يقدرها إلا أولو الألباب.
ويقول سبحانه:"وأذن في الناس بالحج" (3) ، أي: أذن يا إبراهيم وأعلن للناس بالحج، وقد فعل ونادى الناس وأعلن عليه الصلاة والسلام، والدعاة إلى الله ينادون بالحج اقتداء بإبراهيم والأنبياء من بعده، وبنبينا عليه الصلاة والسلام."يأتوك رجالًا"، أي: مشاة. وقد استنبط بعض الناس من الآية الكريمة أن الماشي أفضل ولكن ليس بظاهر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حج راكبًا وهو القدوة والأسوة، عليه الصلاة والسلام، ولكن الراجل يدل فعله على شدة الرغبة وقوتها في الحج، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون أفضل ، فمن جاء ماشيًا فله أجره والراكب الذي رغب في رحمة الله وإحسانه له أجره وهو أفضل."وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق"، من كل فج ، أي: طريق واسع بعيد من المشرق والمغرب ومن كل مكان ، يريدون وجه الله والدار الآخرة.
(1) سورة إبراهيم ، الآية 52
(2) سورة آل عمران ، الآية 190
(3) سورة الحج ، الآية 27