نبيهم عليه الصلاة والسلام فما هي عقيدة المبشرين وما هي شريعتهم وما هو منهجهم الكامل وما هو كتابهم وما هو تاريخهم؟
وأما عقيدتهم: ففيها الطامات الكبرى وأولى هذه الطامات عقيدة التثليث: تلك العقيدة المستعصية على العقول، وذلك اللغز المعقد الذي عجز عن حله اساطين المسيحية عبر القرون لأن كون الواحد ثلاثة والثلاثة واحد وكون كل واحد من الثلاثة هو عين الآخرين شيء تأباه مسلمات العقول وشيء يصطدم مع البديهيات بل هو مما يستحيل فهمه على الإنسان ولهذا تشبعت آراء النصارى في تفسيره فجمهورهم يقولون هذه عقيدة وردت هكذا في الكتاب المقدس، فينبغي قبولها كما هي لأنها ثبتت بالنص، وبعضهم يقول: هذه الأقاثيم الثلاثة هي كالصفات للموجود الواحد ومن هؤلاء الفيلسوف الألماني الشهير كانت حيث يقول: (أن الأب والابن وروح القدس إنما تدل على ثلاث صفات أساسية في اللاهوت وهي القدرة والمحبة والحكمة أو على ثلاثة فواعل عليا وهي الخلق والحفظ والضبط) .
وكل كلام في الحقيقة في هذا الثالوث عبث وذلك لأن العقول لم تعط القدرة على فهم المستحيلات، هذه هي العقيدة التي يريد المبشرون من المسلمين أن يقبلوها ويتخلوا في سبيلها عن عقيدتهم الواضحة التي تغزو القلوب والأرواح ببساطتها وملاءمتها للفطر السليمة والعقول المستقيمة، إله واحد متصف بكل كمال منزه عن كل نقص {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، أرسل الرسل وأنزل الكتب وكلف الناس بتعاليم وتكاليف هي في مقدورهم وجعل لهم يوما لاريب فيه يحاسب فيه كل إنسان على ما قدم بالعدل والقسطاس المستقيم. هذه هي العقيدة التي تجتذب إليها القلوب اجتذابا والتي يريد المبشرون أن يتخلى عنها المسلمون ليؤمنوا بدلا منها بعقيدة لا تجد لها مكانا أصلا لا في العقل ولا في القلب مع العلم بأن عقيدة الثالوث عقيدة وثنية معروفة في التاريخ عند المصريين والهنود وغيرهم ومن عقائدهم أيضا: الصلب والفداء: ومعنى هذه العقيدة باختصار شديد أن الناس جميعا يولدون عصاة آثمين وذلك لأنهم يرثون معصية أبيهم آدم وقد جاء المسيح وهو الإله وابن الإله ليصلب ويفتدي خطايا اتباعه الذين يولدون وهم موصومون بها. والإسلام يحل هذه المشكلة ببساطة متناهية: فيقول القرآن الكريم: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} وعند هذا انتهت هذه القصة التي جعلها النصارى معضلة مبنية على أساس التعارض بين عدل الله ورحمته وبين عدل الله الذي يصر على معاقبة آدم العاصي ورحمته التي تصر على مغفرة ذنبه، ثم لا يكون المخرج من هذا النزاع إلا بالفداء وصلب المسيح الإله وابن الإله، وكأن التوبة لم تخطر لهم على بال. وعلى هذا فالإنسان في ظل الإسلام يولد نظيفا بريئا وعلى الفطرة ولا يتحمل آثام غيره التي لم يتسبب فيها وهو يتحمل تبعة التكليف ويحاسب على ما كلف به فقط. ومن عقائدهم: عصمة الكنيسة وعلى رأسها البابا في فهم الكتاب المقدس وفيما يجتمع عليه الرأي وهذا في الحقيقة إلزام بالخطأ من إنسان يشهد العقل والحس بعدم عصمته، وجعل الكنيسة مصدرا دائما من مصادر التشريع، وهذا لا يعدو عبادة الرأي والعقل والهوى، وفرق بين عصمة الكنيسة وإجماع المجتهدين من أئمة الاسلام وذلك لأن إجماع المجتهدين لا يكون إلا على دليل ومستند من كتاب أو سنة ومن عقائدهم: توسط رجال الدين بين الله وعباده وأنهم يمنحون البركة والمغفرة بإذنه ويقسمون رحمة الله بين خلقه فيمنعونها عمن يشاؤون ويعطونها لمن يشاؤون0
وقد استغل رجال الدين هذه المكانة أشنع إستغلال وأصبحوا يتصرفون بجنة الله وهم في الأرض وكأنهم يمارسون سلطة الله، وحادثة بيع صكوك الغفران في أوروبا كلها أمر شائع في التاريخ، حيث طبع أحد الباباوات بطاقات يبيع بموجبها مساحات من الجنة وذلك لقاء مبلغ من المال. وكراسي الإعتراف تشهد كل حين اعترافات المذنبين أمام رجال الدين بجميع الذنوب التي اقترفوها وذلك ليغفرها هؤلاء أو ليتوسطوا لمغفرتها-وقد حرر الإسلام الإنسان من هذه الوساطة وفتح أمامه أبواب السماء وأطلقه من هذه الوصاية وقد أونس منه الرشد وربطه مباشرة بربه يتصل به متى شاء وأين شاء: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}
أضف إلى ما سبق تقييد أماكن العبادة في الكنائس فقط مع ما في هذا من الحجر على عباد الله وتضييق الأرض الواسعة، مع عبادة مريم عليها السلام عند بعضهم وعبادة القديسين الذين لا يعلم عددهم إلا الله، وعبادة هؤلاء غالبا ما تكون بالتوسل بهم والإستعانة وتعظيم صورهم التي قلما تخلوا منها كنيسة0 ونحن نعلم أن الفرق المسيحية ليست مجمعة على جميع ما ذكرنا، ولكن الفرقة التي لا توافق على شيء مما ذكرناه، فإنها تقترف شيئا آخر هو أعظم بكثير مما استنكرته.
هذه لمحات عن عقائد المبشرين ولم نقصد الإستقصاء وفيما ذكر عبرة لمعتبر. وأما شريعة هؤلاء، فلا وجود لها في الحقيقة والواقع، وذلك لأن الإنجيل خال عن كل تشريع وهو مجموعة مواعظ وإرشادات أخلاقية وهو العهد الجديد وأما العهد القديم وهو التوراة ففيها شريعة ورغم أنها شريعة محدودة وشريعة شعب خاص وتفرق بين اليهودي وغيره في المعاملة ومع ذلك فإن المنسوبين إلى المسيح عليه السلام كتلاميذ فقد نسخوا شيئا كثيرا منها وفي بعض الروايات نسخوا جميعها وذلك لما منحوه لأنفسهم من حق التشريع وهو نقلهم عن المسيح عليه السلام أنه قال لهم قبل وفاته بزعمهم: (ما حللتموه في الارض محلول في السماء وما ربطتموه في الارض مربوط في السماء) .