فهرس الكتاب
الأول: من آتاهم اللّه دينا وهداية عمل بها سلفهم فجنوا ثمارها، وصلح حالهم بها، أيام كانوا مستقيمين على الطريقة آخذين بإرشاد الوحي، واقفين عند حدود الشريعة، ولكنهم انحرفوا عن سنن سلفهم في الأخذ بها ظاهرا وباطنًا، ولم ينظروا في حقائق ما جاءهم بل ظنوا أن ما كان عند سلفهم من نعمة وسعادة إنما كان أمرًا خصوا به، أو خيرًا سيق إليهم لظاهر قول أو عمل امتازوا به عن غيرهم ممن لم يأخذ بدينهم، وإن كان ذلك العمل لم يخالط سرائرهم، ولم تصلح به ضمائرهم، فأخذوا بتقاليد وعادات لم تدع في أنفسهم مجالا لغيرها، ولذلك لم يتفكروا قط في كونهم أحرى بالتمتع بتلك السعادة والسيادة من سلفهم لأن حفظ الموجود أيسر من إيجاد المفقود، بل لم يبيحوا لأنفسهم فهم الكتاب الذي اقتدى من قبلهم بما فيه من شموس العرفان ونجوم الفرقان، لزعمهم أن فهمه لا يرتقي إليه إلا أفراد من رؤساء الدين يؤخذ بأقوالهم ما وجدوا، وبكتبهم إذا فقدوا، فمثل هذا الفريق من الصنف المخذول في فقده لما كان عنده من نور الهداية الدينية وحرمانه من الاهتداء بها بالمرة وانطماس الآثار دونها عنده مثل من استوقد نارا.
والوجه في التمثيل: أن من يدعي الإيمان بكتاب نزل من عند ربه وقد طلب بذلك الإيمان أن توقد له نار يهتدي بها في الشبهات، ويستضيء بها في ظلمات الريب والمشكلات ويبصر ضوءها ما قد يهجم عليه من مفترسة الأهواء والشبهات فلما أضاءت ما حوله بما أودعته من الهدى والرشاد وكان بالنظر فيها يمشي على هداية وسداد، وهجمت عليه من نفسه ظلمة التقليد الخبيث وعصب عينيه شيطان الغرور، فذهب عنه ذلك النور وأطبق عليه جو الضلالة بل طفئ فيه نور الفطرة، وتعطلت قوى الشعور بما بين يديه فهم بمنزلة الأعمى الأصم الذي لا يبصر ولا يسمع.