فهرس الكتاب
لما ولي الخلافة، كان يحكم الدنيا, ولو أن رجلًا أقسم بالله أنه كان يحكم الدنيا ما حنث ولا أثم كما يعبر الفقهاء، إذ كان يحكم من جنوب فرنسا إلى بلاد المغرب وأفريقيا إلى بلاد الشام والعراق والترك وحتى حدود الهند والصين , وتدفع له الممالك من غير المسلمين الجزية, هذه هي الدنيا!
أما الأمريكتان واستراليا فلم تكن معروفة, وأما أوروبا فإنهم همج ولو أُعْطِيَتْ لأحد ذلك اليوم لما قبلها, ولو قيل له: احكم أوروبا , لقال: ما أريد بها وهم همج رعاع لا خير فيهم.
إذًا فقد كان يحكم الدنيا, فتطلع إلى ما هو أعظم من الدنيا, فقال: (الآن تاقت نفسي، أي: اشتاقت نفسي إلى الجنة) .
إن القيمة الحقيقية هي في الآخرة, أما الذي يُعظِّم الدنيا ويحبها ويريد ما فيها, فقد يحصل عليها ولو بأغلى الأثمان, لكنها سرعان ما تنتهي وتذهب, وهكذا الدنيا..! ليس فيها شيء يدوم! بهرج وبريق كبرق السحاب الخلب, ثم تذهب وتنتهي.. أما النفوس العالية ذات الهمة العالية، فهي لا تنظر إلى مجرد المتاع كالهمم الدنيئة.
كما قال بعض السلف: ''القلوب نوعان: قلوب تطوف حول العرش, وقلوب تطوف حول الحش'' أي: المرحاض, ويعنون بذلك أنَّ أهل الدنيا كل تفكيرهم في شيء نهايته إلى ذلك المرحاض: شهوة النساء، أو شهوة الأكل، أو شهوة كذا, فكلها في المرحاض وما حوله؛ لكن هناك قلوب تطوف حول العرش, فهي دائمًا هناك..! تفكر في آلاء الله، وفي صفات الله، وفي أسماء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وفي هذه المعاني العظيمة, تُفكر دائمًا فيما عند الله, تفكر في جنات عدن التي سقفها عرش الرحمن، وهكذا يعيش الناس في دناءاتهم, وهم بهذه الهمة العالية.
الورع وابن المبارك
ولشهرة هؤلاء أخذنا بعض النماذج الأخرى, ومنهم عبد الله بن المبارك -رضي الله تعالى عنه- الذي كان مجاهدًا، وكان عابدًا, جمع بين الجهاد وبين العبادة وبين الكرم, وسيرته عجيبة.