حتى يقر بها، حتى تمضي وتنقاد، وإن عرض له ذنب، فرغبت نفسه، ودعته إليه، خوفها بما أوعد الله، فيستعين بذلك على نفسه، حتى يقمعها ويكفها، فهذا شأن أهل الوعد والوعيد.
وأما أهل اليقين: فإذا عرض برٌّ، طارت قلوبهم من الشوق إليه، والحب له، فعملوا لذلك البر على اليسر وطيب النفس، وإذا عرض لهم ذنب، عرقت جباههم من الحياء منه تكرمًا وتعففًا، وهذا موجود في عبيده هاهنا، فشتان ما بين عبدين:
أحدهما: يعمل لمولاه من خوف وعيده، وحرمان وعده، ولولا خوفه من وعيده وحرمان وعده، ما عمل ذلك.
والآخر: يعمل لمولاه شفقةً على عمله، ونصحًا له وتذللًا وتخشعًا، وإلقاء نفسه بين يديه، ومحبة له، وشغوفًا به؛ لأنه لا يستوي هذان العبدان في دار الدنيا عند مولاهما أبدًا، فكذلك شأن هذه القلوب عند الله.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال لعوف بن مالك الجشمي والد أبي الأحوص: (( أرأيت لو كان لك عبدان، أحدهما: يخونك ويكذبك، والآخر: يصدقك ولا يخونك، أيهما أحب إليك؟ ) )، قال: الذي يصدقني ولا يخونني، قال: (( فكذلك أنتم عند ربكم ) ).