وقوله: {قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبينٌ} ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نورًا أضاء للعالمين، وقال: {إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا. وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا} .
فكان ينير سراجه في العالمين، فكان إذا مشى في الطريق، فاح منه ريح المسك، حتى يوجد عرقه في ممره، فيعرف: أنه قد مر بهذا المكان، وكان طاهرًا، طيبًا، طهره الله بالحفظ له في الأصلاب والأرحام، وطفلًا، وناشئًا، وكهلًا، حتى قدسه بطهر النبوة، وشرفه بالقربة، وطيبه بروحه، وجلله ببهائه، فمن الذي كان يخيب برؤيته عن أن يكون له شفاء قلب إلا من ختم الله على قلبه، وجعل على سمعه وبصره غشاوة. كما قال: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} .
فإنما كان يبصر ما نحله الله، وزينه من فتح الله عين قلبه بذلك النور الذي جعله في قلبه، فأبصر محمدًا صلى الله عليه وسلم، وعرفه هذه الأشياء، وأبصر ضوءه كيف يضيء الأشياء، وكان شفاء قلبه، ودواء سقمه، وكانت هيبته، وجلالته، ووقاره، وطهارته سدًا بين القلوب وبين النفوس، فكانت النفوس قد ألقت بأيدها لأهلها منقادة مستسلمة؛ هيبة وإجلالًا، وحياءً منه.