لهم من التدبير فيه، فإليه ينظرون، وإياه يطلبون، وبه يفتنون، ومن أجله يعصون.
فالأسواق معدن النوال، ومظان الأرزاق، وهي كأنها مملكة وضعها الله لأهل الدنيا يتداولون فيها ملك الأشياء فيما بينهم، فترى الشيء الواحد يدور ملكه في اليوم الواحد عشر مرات على أيدي المالكين، والتدبير على المملكة الأعلى، وهي العرش، فمملكة التداول هي الأسواق، ومملكة تدبير التداول هي العرش.
فأهل الغفلة إذا دخلوها، تعلقت قلوبهم بهذه الأسباب في هذه المملكة، واتخذوها دولًا، وصارت عليهم فتنةً، وأهل اليقظة والانتباه، وهم أهل اليقين: إذا دخلوها، تعلقت قلوبهم به في تدبيره، فسلموا من فتنتها، فإذا نطق أحد بهذه الكلمات في ذلك رد على أهل الغفلة عيوبهم وجفاءهم وسوء صنيعهم إذ أعرضوا عن تدبير الله، وتركوا مراقبته.
فالسوق: هو رحمة من الله لعباده، دبره معاشًا لخلقه، يدر عليهم منها حوائجهم ليلًا ونهارًا، وشتاءً وصيفًا، ونقلًا من بلد إلى بلد؛ لتكون الأشياء موجودة في الأيدي عند وقت الحاجة، وهو قوله عز وجل: {وقدر فيها أقواتها} .
وجعل الذهب والفضة أثمان كل شيء، وما سواهما عرضًا صرف أرزاقهم إلى مثل هذه الأرباح، وصرف بوجوههم للطلب إلى مطلب المكاسب؛ لتكون الأسواق قائمةً، والتدبير جاريًا، والمعاش نظامًا، ولو لم يكن هكذا، لكان الواحد يحتاج إلى آلة الجميع من الحرف، وإلى تعلم كل حرفة في الأرض، فيصيرون عجزة، فأسواقهم مشحونة بصنوف الأطعمة