قال أبو عبد الله:
فالراحلة: هي التي قد ريضت وأدبت، فسمحت بالطاعة، وتركت سيرتها، وسارت بزمامها حتى ذلت لصاحبها، وأعطت سيرها، وجادت بنفسها في المهنة، فهي راحلة خرجت في الاسم مخرج فاعلة، وإنما هي مرحولة؛ لأن الفعل واقع بها، فما زال ذلك عادتها في الرحل، ودأبها في الانقياد، وعين صاحبها يرعاها، ويلي تأديبها، ويتفقد أحوالها حتى تمكنت عنده منزلة وحظًا، حتى صيرها نجيبة من نجائبه، وكريمة من كرائم إبله، فإن رحلها، أعطت من نفسها السير في وجهها، والرفق في السير منها، فهي سمحة لا تحرن، كريمة لا تجمح، جريئة لا تنفر، وادعة لا تشمس، ساكنة لا تضطرب، إذا حُملت، حملت، وإذا سارت استمرت، وإذا حركت اعتنت، فصاحبها بأحوالها معجب، وبها ضنين، لا يملكها أحدًا، ولا يطلق لأحد عليها يدًا حتى يتحمل أثقال صاحبها، فتكون من نجائب الملك، فكانت هذه كإحدى الإبل المئة سائمة ترعى في مظانها، وتذهب في مهواها يمينًا وشمالًا، لا ينتفع بها برسلٍ، ولا حمولة، فالواحد منها ركوبة،