تعبدنا ربنا بهاتين الخصلتين: أن تكون له كالعبد، وأن تكون لعبيده كما هو لهم، فقال: كيف يكون هذا؟ قلت: إذا وصفته، كثر، وسألتني أن أوجز، فأوجزت لك الصفة في كلمتين تدرك بهما، وتجزيك عن كثير عن الوصف.
مثل: عبد اشتريته ليكون لك عبدًا، فما أردت منه، وطالبته به، فاخرج إلى الله من مثله، وكن لله كما تريد أن يكون عبدك لك، ومثل نفسك مثالًا، فما أحببت لنفسك، فعامل عبيده بمثله؛ فإن الله اتخذك عبدًا حجة عليك، فمن مطالبتك عبدك واقتضائك له أن يكون بين يديك، ولا يمد يده إلى شيء من ملكك إلا ما أذنت له فيه، ولا يخطو إلى أمر إلا بإذنك، ولا يعمل لغيرك عملًا، وما أعطيته قنع به، وما حكمت عليه مما لم يوافق، لم يسخط عليك، ولم يشكك إلى أحد، وهذا مرادك من عبدك، فاخرج إلى الله من ذلك، وأنصفه من نفسك، وضع في نفسك محبة نفسك وشفقة عليها وعطفًا، وهي تلك الشهوة التي وافقتك فالتذذت بها، فأنزل سائر العبيد من نفسك منزلة نفسك؛ فإن نفسك عبد لله، وهؤلاء عبيد الله، فإذا حكمت هذين؛ فأنت السابق إلى ظل الله غدًا، وعيشك في الدنيا عيش أهل الجنان، ولا يقوى على هاتين الخصلتين إلا عبد قد سقطت من قلبه منزلة