لأنه كذا دبر أن تكون الأشياء بالكلمة. وقال في تنزيله: {وإنما ينزغنك من الشيطان نزغٌ فاستعذ} ، وقال: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} .
فهما يدلان على أن ما كان من أمر الباطن، فالاستعاذة به، وما كان من أمر الظاهر، فالاستعاذة بكلمته؛ لأن ما هو في الظاهر هو بقوله: (كن) ، وما في الباطن صنعه.
وقال: {قل أعوذ برب الناس} ، ثم قال: {ملك الناس} ، ثم قال: {إله الناس} ، فأمره أن يستعيذ بثلاثة من أسمائه {من شر الوسواس} ، وهو باطن.
فقوله: {برب} ؛ أي: مالك، يقال في اللغة: ربني فلانٌ يربني، فهو رابٌ؛ أي: ملكني يملكني، فهو مالك، ثم قالوا: ربٌ، فحذفوا الألف، كما قالوا: بارٌ، ثم قالوا: برٌ.
فقوله: رب، يؤدي إلى الملِك، وملِك يؤدي إلى المُلك، وإله يؤدي إلى وله القلوب به، فالوسواس آفةٌ على القلب، فأمره أن يستعيذ بمالك وملك وإله؛ لأن المالك: الذي أحاط بهم، فملكهم، والملك: الذي نفذ أمره فيهم، والإله: الذي أوله القلوب إلى نفسه.
{من شر الوسواس الخناس} وسوس عند الغفلة، وخنس عند الذكر، فاشتق له اسمان من فعليه.
ثم بين أين موضعه من الجسد، فقال: {الذي يوسوس في صدور الناس} ، فالصدر: ساحة القلب، وفيه الفكر، ومنه تصدر الأمور.