ذلك بلا رماد، ولا غبار، ولا دخان، ففهم هذا المعنى الذي ذكرنا ثابت البناني رحمه الله، فما أحسبه، فلذلك قال: اللهم زدنا منه.
فإنما سأل الزيادة من ذلك اللطف الذي يلطف الله لعبده، والبرزخ الحاجز بين الشيئين، فقد كان الإيمان ثابتًا في القلب، فلما جاءت الوسوسة، كان أمر الله أسرع، فدخل بين الوسوسة، وبين الإيمان؛ ليكون حاجزًا؛ ليكون كما دخل بين البحرين حاجزًا: بحر العذب، وبحر المالح، وكلاهما ملتصقان في رأي العين، فلا يعذب المالح، ولا يملح العذب، وهو قوله تعالى: {مرج البحرين يلتقيان. بينما برزخٌ لا يبغيان} ، وقال: {وجعل بين البحرين حاجزًا} ، فإنما هو بلطفه حجز بينهما، وقال عز وجل: {وجعل بينهما برزخًا وحجرًا محجورًا} .
فإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ذاك محض الإيمان ) )؛ لقولهم: لأن يقع أحدنا من السماء أحب إليه من أن يتكلم بما يجد في صدره، فصير ذلك الذي وجدوا في صدورهم من الإنكار محض الإيمان، فبان بما قلنا: أن صاحب الوسوسة إنكاره لما جاء به الوسواس فيه كفاية له؛ لأن من شأن المعرفة أن ينكر غيره، ومن شأن الإيمان أن ينفي الكفر، ومن شأن التوحيد أن ينفي الشرك، ومن شأن النور أن ينفي الظلمة، ومن شأن الرب أن ينفي عدوه من حريمه.
فإنما يجد المؤمن الإنكار على قلبه من أجل أن في قلبه معرفته،