فهرس الكتاب

الصفحة 2650 من 2975

فذاك الهم في الظاهر هم الأحوال، وفي الباطن هم ربه، فلذلك: قدر أن يتصدق بقلبه، ويخفيها عن نفسه؛ لأن صفته في الباطن على ما وصفنا أن همه بربه قطع نومه عنه، وأيقظها، وكل شيء ذكره قبل ذلك من الخلق.

فرجع الكلام إلى ما قلنا: إن المؤمن إذا صار بهذه الصفة، كان أشد وأقوى من الأرضين، والجبال، والحديد، والنار، والماء، والريح، فهو أشد خلق ربك؛ لأن ذلك الهم قد غلب الأشياء كلها التي قد تقدم ذكرها.

فلذلك قال ابن مسعود لعمر: إنا لنجد أن عمل مؤمن في يوم واحد أثقل من سبع سماوات وسبع أرضين.

وقال موسى فيما روي عنه أنه قال: يا رب! إني أجد صفة قوم في قلوبهم من النور أمثال الجبال الرواسي، تكاد البهائم تخر لهم سجدًا إذا رأوهم، من النور الذي في قلوبهم، قال: يا موسى! تلك قلوب طوائف من أمة أحمد، إنما بلغوا ذلك، بإقبالهم على أنفسهم، وذمهم لها، وإنما هلك من هلك من قومك بالعجب من أنفسهم.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن لله ملائكة موكلين بأرزاق بني آدم، ثم قال: (( أيما عبدٍ وجدتموه جعل الهم همًا واحدًا، فضمنوا رزقه السماوات والأرض والطير وبني آدم ) ).

فإذا صار هم القلب همًا واحدًا، ذهب بال نفسه وهمومها وأشغالها، وخلا القلب بربه، فلذلك قال علي -كرم الله وجهه-: أشد خلق ربك الهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت