وعن معروفاته، ونموذجات صنائعه، سمي ذلك كله قصصًا؛ من أجل أن قلب هذا يقتص أثرًا أثرًا لكل شيء، ويشير بقلبه إلى شيء شيء، ثم يعبر إشارات قلبه بلسانه للخلق، فهو قاص عليهم لتلك الأشياء أثرًا أثرًا.
وهذه كلمة لزمت أشياء كثيرة، مما تشابهت صورها بعضها ببعض، فيقال: قص أثره، وهو: أن يتبع أثره، ويقال: قص خبره، وهو: أن يتبع بقلبه صفة ذلك الشيء الذي يخبر به، فيتبع الصفة شيئًا بعد شيء، ويقال: قص شعره وظفره، وهو أن يتبع ما زاد من شعره وظفره خروجًا من جسده، فيتبع ذلك، فأزاله عنه، فالدعاء إلى الله بالموعظة والتذكرة لمن وصل إلى الله قلبًا، وكان مركب قلبه الحق والعدل، وهو قوله تعالى: {ومن قوم موسى أمةٌ يهدون بالحق وبه يعدلون} .
فهذا ما أعطى الله موسى في قوله حيث قرأ التوراة، فوجد صفة هذه الأمة، فوجد في نفسه من ذلك حاجة أن تكون أمته، حتى قال: رب! اجعلني نبيهم، قال: استقدمت واستأخروا، ونبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، فأعطي أن سيكون من قومه أمة يهدون بالحق وبه يعدلون.
قال قتادة: فرضي من الله كل الرضا، فقص الله علينا نبأه، فقال: {ومن قوم موسى أمةٌ يهدون بالحق وبه يعدلون} ، ثم قال بعقب ذلك: {وممن خلقنا أمةٌ يهدون بالحق وبه يعدلون} الآية؛ أي: من هذه الأمة.
فقوم موسى الذين أعطوا ذلك في عزلة من الخلق من وراء نهر الرمل