حيث لا يحتسب.
فالوحي قد نجع فيه، وانكشف الغطاء عن قلبه، حتى عاين حسن تدبير الله، وصنائع ربه، وعرفه بالمجد والكرم.
فذهب سهيل بن عمرو بابنه إلى مكة في قيوده، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ففتح خيبر، حتى قال عمر رضي الله عنه: كنت أماشي أبا جندلٍ وهو في قيوده، وهو إلى جنب أبيه، وأهوي بمقبض سيفي نحوه، وأدنيه منه، وأقول: يا أبا جندل! ليهن عليك، فإنما دم أحدهم كدم كلب، وأدني قائمة السيف منه رجاء أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه وسهيل آخذٌ بتلبيبه يجره إلى المنزل، وأبو جندل يصرخ: يا معشر المسلمين! أرد إلى المشركين، فيفتنوني عن ديني؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اصبر واحتسب أبا جندلٍ، فإن الله جاعلٌ لك وللمستضعفين فرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك عهدًا، وإنا لن نغدر ) ).
فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى انفلت أبو جندل من قيوده، ومر إلى ناحية البحر على طريق الشام، فقعد هناك؛ لأنه قد علم أنه إن صار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يجد بدًا من رده عليهم؛ لما جرى بينهم في الصلح من ذلك، فأقام هناك أيامًا، فكان كل من سمع به من الشداد المنفلتين ممن هم في محابس المشركين لحق به، حتى توافوا نحوًا من سبعين رجلًا، فقطعوا الطريق على المشركين عيرهم، وأخذوا أموالهم،