الأرض جميعًا لهذا الآدمي، وكذلك قال في تنزيله: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} ، فمنها غذاء، ومنها مرفق، ومنها عبرة، وكلها حجة، وكلها ابتلاء، وقال: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه} .
فالنمل سخرة، وفيها عبرة، فالمسخر أنت عليه مسلط، فإذا آذاك، أبيح لك قتله، ألا ترى أن الفأر والغراب والكلب والحية والعقرب قد أبيح للمحرم قتله؟ فكذلك سائر الهوام المؤذية، فالمقتضى من المؤمن أن لا يقتل هذه الأشياء عبثًا، ولكنه يقتلها بحق، فكل ما كان له في ذلك مرفق، فقتله لارتفاق، فقد قتله بحق، وكل ما كان له منه أذى، أو خوف أذى، فقتله لما يتخوف، فقد قتله بحق، وما سوى ذلك عبث، وهو مسؤول عن ذلك يوم القيامة أن يكون قد أزهق نفسًا بغير حق، فليس فيما ذكر في الحديث كراهة قتل النمل، فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك، ولا أحد من خلقه أعظم حرمة من المؤمن، فكيف بالهوام والدواب؟!
فالآدمي إنما يباح لك دفعه عنك بقتل وضرب على المقدار والحدود؛ لعظيم حرمته، وإنه لم يسخر لك، والدواب والطير والهوام قد سخرت لك، فليس هناك مقدار، ولا حد، ألا ترى أنك تقتل الهوام من الحية والعقرب والسباع حين تراها، ولم ينلك أذاها بعد؛ لأنه معروف بالأذى.
ألا ترى أنه قال: (( ألا نملة مكان نملة؟! ) )، فقد أطلق له في نملة، ولم يخص تلك النملة التي لدغته بالإطلاق، فلو كان إنما كلم على سبيل العدل والقصاص، لقيل: إلا نملتك التي لدغتك، ولكن قال: إلا نملة