لقد بلغ العرب من الفصاحة والبلاغة والبيان ما لم تبلغه أمة من الأمم قبلهم وكان الشعراء والبلغاء هم فخر القبيلة وعزها ومجدها ، إذا قالوا فالقول قولهم ، وإذا تكلموا فالكلمة كلمتهم كلامهم يرفع ويخفض ، يرفع أناسًا ويضع آخرين ، بلغ من عز الكلمة وشرفها ومكانتها عند العرب أن كانت تعلق في جوف الكعبة ، أقدس مكان عندهم وأشرفه وأعز بنيان لديهم .
وعندما بعث رسول الله r إلى الناس جاءهم بمعجزة لم يأت بها نبي ألا وهي كتاب الله الذي كان يتلى ويقرأ بينهم كتاب فاق كلامه كلام البشر ، وعلا قدره على الإنسن والجن .
وكان رسول الله r أفصح الناس وأبلغهم وأخطبهم . وقد أعطاه مولاه جوامع الكلم يبين هذا ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله r يقول: بعثت بجوامع الكلم ( [76] ) .
إن فصاحته r في ذروة الكمال ، بُعد عن التكلف في القول ، جزالة في اللفظ وضوح في الدلالة ، دقة في الوصف والتعبير ، ابداع في التشبيه والتصوير، إيجاز في القول ، مطابقة لمقتضى الحال ، وكان لحركته وإشارته أثر كبير في إثارة الانتباه وتنبيه الغافل ، وهي تعين على الحفظ فمن ذلك أنه ذكر القلب ، فأشار إلى صدره الشريف وقال: التقوى هاهنا . وذكر فضل كافل اليتيم . فقرن بين السبابة والوسطى وفرق بينهما ، إن خطبه r تلامس شغاف القلب وتؤثر فيه تأثيرًا عظيمًا .
ومنه r تعلم الصحابة - رضوان الله عليهم - فنون الخطابة ولقد بلغت الخطابة زمن الخلفاء الراشدين المكانة المرموقة ، فكان الخلفاء خطباء يخطبون الناس في الجمع والأعياد ويخطبون في الجيوش ويوجهون القادة وكانت خطبهم اقتباسًا من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة فاكتسبت بذلك قوة التأثير، ووصلت إلى شغاف القلوب ، وكانت تقوم على الحقائق الملموسة والمسائل الواقعية ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها .
الأمثلة: