وكما هو معلوم في علوم القرآن ، أن القرآن الكريم لم ينزل على نبينا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - جملة واحدة ، بل نزل منجمًا - أي مفرقًا - على مدى ثلاث وعشرين عامًا ، لأن المجتمع الجاهلي كان غارقًا في الضلال ، ومن أهم الحكم الإلهية ألتدرج في تربية هذه الأُمة الناشئة علمًا وعملًا: وتدرج بهم في تحريم ما كان مستأصلًا فيهم كالخمر، تدرجًا حكيمًا حقق الغاية ، وأنقذهم من كابوسها في النهاية ، وكان الإسلام في انتهاج هذه الخطة المثلى أبعد نظرًا ، وأهدى سبيلًا ، وأنجح تشريعًا ، وأنجح سياسة ، من تلكم الأمم المتمدنة المتحضرة التي أفلست في تحريم الخمرعلى شعوبها أفضع إفلاس وفشلت أمرَّ فشل ، وما عهد أمريكا في مهزلة تحريمها الخمر ببعيد (2) .
يقول القرطبي: قال بعض المفسرين: إن الله تعالى لم يدع شيئًا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة ومن كرامته وإحسانه ، أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة ، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة ، فكذلك تحريم الخمر (3) .
قال الإمام القرطبي: وتحريم الخمركان بتدريج ونوازل كثيرة فإنهم كانوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-في كتاب البر والصلة ، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وماله وعرضه 4/1986 ( 2564)