فهرس الكتاب
على أن الدعوة الخلقية الصوفية، هي دعوة إلى الأخلاق السلبية (يمتاز الإسلام في دعوته الخلقية بأنه يدعو إلى أقوى وأعز الأخلاق الإيجابية وإلى أقدس الأخلاق السلبية، فهو لا يطلب منك ألا تفعل الشر فحسب، بل يأمرك أن تفعل الخير، فهو يأمر مثلًا بالجهاد والسعي في سبيل الرزق، وينهى عن الرهبانية والسرقة يتجلى لك ذلك في قوله سبحانه:(3: 110 كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وفي قوله (22: 77 وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) وقوله: (22: 30، 31 فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به) بل يتجلى لك ذلك أي جانب الإيجاب وجانب السلب في عقيدة التوحيد (4: 36 واعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا) "، فحسب، إذ هي قائمة على الزهد المانوي، فهي - على الزعم بأنها خير، ودون التفات إلى أن تتزعم العالم في سلام وأمن. تريد الوثنية الجريئة المقدامة التي تسخر كل شئ، أذن الله لها فيه في سبيل تحقيق فيمها الرفيعة المؤمنة. تريد الحياة دفاقة التيار، زخارة المشاعر بالحيوية المتدفقة، المندفعة دائمًا إلى الأمام، جياشة الليل والنهار بالعمل الدائب المنتج المثمر، والجهاد في سبيل أن تكون كلمة الله هي العليا، إنما تصلح دعوة الصوفية الخلقية - بذلك الاعتبار نفسه - لجماعة تعيش في الكهوف، أو المغاور، أو على قنن الجبال في الحس الهامد، والشعور الخامد، والوجدان الأصم البليد، وكل إنسان فيها منطو على نفسه. لجماعة تقطعت أرحماها، فعاش كل فرد فيها لنفسه، يسخر ليله ونهاره لنفسه، دون أن يحول عينيه وغاياته عن نفسه وحدها! فهي أخلاق تطفح بالأثرة الضيقة المكتومة الخانقة، والفردية التي ترى الدنيا لها وحدها، وتعمل؛ ليكون كل شئ لها وحدها! إنها رهبانية تسري فيها قشعريرة الخوف المذعور من الحياة، ورعدة الفرق القلق من المجتمع. رهبانية تعيش في غيابة الخمول الأسوان وراء الوجود الإنساني! تصلح لجماعة تعيش"