فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 188

كلام هو الحق والحكمة والهدى في أسلوب جلي جلي محكم محكم، لا يأذن حتى لخاطرة واهية من ظن أن تقتحم عليك فدس يقينك، أو أن تحوم خفية حوله أو تفسد عليك شيئًا ما من فهمك لمعنى الآية. ومن تدبر"بشر مثلكم"لرأى أشعة الهدى الإلهي الأعظم تغمر حوله الوجود كله، وتهديك إلى الحق الذي يجب أن تؤمن به. ألا تراها تجعل بشريتنا هي المقياس الذي به نقيس بشرية رسول الله الكريم، حتى لا يفتننا حب هذه البشرية الطهور، فنظنها خلقًا آخر، أو نوعًا من البشرية يغاير في حقيقته بشريتنا، فلا ندرك كنهها، ولا شيئًا من خصائصها؛ لأنها لم تتحقق إلا في فرد واحد؟ لقد كان يكفي في الدلالة على المعنى أن يقال:"قل: أنا بشر"أو"أنتم بشر مثلي"ولكنه سبحانه - وهو الحكيم العليم الخبير - شاء أن يعرفنا بشرية محمد صلى الله عليه وسلم بما نعرفه نحن من خصائص هذه البشرية التي فطرنا عليها، وبما نبتليه من قيمها ومقوماته، وبما نعالج من غرائزها وعواطفها (غرائز البشرية الصالحة وعواطفها نفس غرائز البشرية الطالحة وعواطفها في الفطرة والفرق أن صاحب الأولى وجهها وجهة الخير، ووجهها الآخر وجهة الشر) وبما نعلمه- عن الله - من حقيقة بدئها. وغاية منتهاها، وبما نتجاوب به مع رواد الوجود من حب أو كراهية. ولذا طعم صلى الله عليه وسلم، وشرب، وتزوج، ونجل خير البنين. وذاق الشبع والجوع والمرض، ومست قلبه الأحزان، وذرفت عيناه الدموع، وجاشت نفسه برحمة البكاء، وغير ذلك مما قضاه الله على البشرية من أقدار في هذه الحياة، ثم جاءه صلى الله عليه وسلم ملك الموت الذي وكل بنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت