فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 9

الله في علاقاته مع الناس، فيعقد الأخوة مع هذا لأنه يقربه من الله، ويجنتب ذاك لأنه يبعده من الله، ولذلك من الإيمان الحب في الله والبغض في الله، تراه إذا أعطى عطية هذا صاحب الإيمان فإنه يعيش مع الله في عطيته، فيعطي لفقيرٍ أو مسكين، ويعطي صلةً وكذلك أخوةً ويعطي توددًا واستجلابًا للقلوب في الدعوة إلى الله، فعطاياه ودفعه للمال في نفقات عياله التي أوجبها الله، فهو إذن يعيش مع الله في دفع المال، وكذلك يعيش مع الله في كسبه، فإذا حرّم ربه الربا لا يأخذه، وإذا حرّم ربه الميسر لا يكتسبه، وإذا حرّم ربه الرشوة فإنه لا يدخل بابها، وهكذا إذا حرّم ربه أنواعًا من البيوع الباطلة فإنه لا يجعله متجرًا له.

يعيش مع الله في دينه ودنياه، يعيش مع الله فيحيا حياةً طيبة، فيها سعادة وطمأنينة وفيها رضا بالقضاء، دكتور ينتحر لماذا؟ شاب يطلق النار على جلساءه في استراحة لماذا؟ خادمة تنتحر لماذا؟ إنهاء الحياة لأنها لم تعد طيبة، لم يعودوا يطيقون العيش في الدنيا لأن صلتهم بالله ضعيفة فصارت هذه الحياة شقاءً عليهم، وصارت عذاباتها غير متحملةٍ فلذلك يريدون إنهاءها بسرعة، وأما أهل الإيمان فإنهم وإن ركبتهم الديون وحاصرتهم الشدائد وكثرت عليهم المصائب وتعسرت بهم المعاملات فإنهم لا يزالون يحييون حياة طيبة لأن عمر رضي الله عنه قال: وجدنا خير عيشنا بالصبر.

فيصبر وهو يحتسب الأجر في الصبر وأن الله يبتليه ليعافيه، ويمتحنه ليمنحه، ويشدد عليه ليكفّر من سيئاته فيتسع الأمر له، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل: من الآية97) .

ولو أصابته الجراح ولو أصابته الأمراض، مزمنة أو غير مزمنة، خطيرة أو خفيفة، فهو يعيش مع الله فيرى في الابتلاء نعمة، لماذا؟ لأن الله يرفع به درجته بهذا الابتلاء ويكفر عنه خطيئته ويزيد في حسناته، ولذلك فإن قول الله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} (الانفطار:13) .ليس فقط في القبر والجنة، ولكن أيضًا في الدنيا، فإذا نظر الناظر إلى أهل الإيمان اليوم فرأى هذا ضعيفًا وهذا مقهورًا، رأى هذا مظلومًا وهذا سجينًا، رأى هذا معدمًا فقيرًا، وهذا مغلوبًا، قال نوح عليه السلام: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} (القمر:10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت