ولذلك فهناك بكاء محبة وبكاء خوف، بكاء رجاء وبكاء خشية، {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} (قّ: من الآية33) .
فهنالك ارتباطًا بين الغيب والخشية، فإذا غابوا عن الناس كانوا يخشون الله، وهذا الحب المفيد لصاحبه، هذه الخشية بالغيب إذا غابوا عن الناس، وليست القضية مظاهر أو أمام الخلق، كلا يا عباد الله عاشوا مع الله، في الشدة والرخاء، في السراء والضراء.
أحوال بعض الأنبياء في العيش مع الله
يوسف عليه السلام يؤخذ من أبيه وهو يعيش مع الله، يُبعد عنه وهو يحتسب عند الله، يُلقى في الجبّ وهو يرجو النجاة من الله، {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} (يوسف: من الآية15) . تأتي القافلة لتأخذه فيرى النجاة بعينه من الجبّ المهلك، ويرى استجابة الدعاء بهذه القافلة التي هي سبب، ويباع وهو حر وليس على الحر أشد من أن يباع عبدًا وهو حر، وهو يحتسب الأجر عند الله، ويؤخذ خادمًا في ذلك القصر، يخدم وهو يحتسب الأجر، يتعرض للفتنة {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} (يوسف: من الآية23) .
لكنه مع الله، لا يمكن أن يزني، لا يمكن أن ينزلق، {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} ومع تغليق الأبواب وغياب الزوج والاستعانة بكيد النسوة، والتهديد بالسجن وهو أعزب وهي جميلة ولها عليه السلطان والأمر والنهي ولا يشك فيه فهو من أهل البيت، وكذلك دعته ووفرت عليه المشوار {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} (يوسف: من الآية23) . وهو غريب عن البلد عبد من العبيد ومع ذلك لا يرضخ ولا يفعل ولا يستجيب للحرام، ويصبر ويدخل السجن ثمن موقف، ما هو؟ الصمود أمام الحرام، دفع يوسف عليه السلام حريته في التنقل بعدما دفع حريته لبيعه فدفع ثمن الحريه مرتين، مظلومًا في الحالين، ففي تلك الحال أخذوه من أبيه وهو صغير وباعوه، فذهبت الحرية الأولى، ثم بعد ذلك يصمد أمام إغراء الحرام ولا يغدر ولا يخون الذي أكرمه، هذا أكرمني أأزني بزوجته، معاذ الله، والله أكرمني أفأعصي أمره؟ معاذ الله، ولذلك دفع ثمن الحرية الثانية بالسجن وراء القضبان مقيدًا، كفت حركته، لكن بقيت الحرية حرية القلب في العبودية لله عز وجل، ولذلك صبر واحتسب وهو في