فهرس الكتاب
فلما ابتدأ القتال وسمع أبو محجن صهيل الخيول .. وصيحات الأبطال .. لم يطق أن يصبر على القيد .. واشتاق إلى الشهادة .. بل اشتاق إلى خدمة هذا الدين .. وبذل روحه لله تعالى .. نعم .. وإن كان عاصيًا .. وإن كان مدمن خمر .. إلا أنه مسلم يحب الله ورسوله .. فأخذ يتحسر على حاله ويترنم قائلًا:
كفى حزنًا أن تدحم الخيل بالقنى ... وأترك مشدودًا علي وثاقيا مصاريع من دوني تصم المناديا
إذا قمت عناني الحديد وغلقت ... وقد تركوني مفردًا لا أخا ليا
وقد كنت ذا مال كثير وأخوة ... لإن فرّجت ألا أزور الحوانيا
فلله عهد لا أحيف بعهده
ثم أخذ ينادي بأعلى صوته ..
فأجابته إمرأة سعد: ماذا تريد؟
فقال: فكي القيد من رجلي وأعطيني البلقاء فرس سعد .. فأقاتل فإن رزقني الله الشهادة فهو ما أريد .. وأن بقيت فلك علي عهد الله وميثاقه أن أرجع حتى تضعي القيد في قدمي .. وأخذ يرجوها ويناشدها .. حتى فكت قيده وأعطته البلقاء .. فلبس درعه .. وغطى وجهه بالمغفر .. ثم قفز كالأسد على ظهر الفرس .. وألقي نفسه بين الكفار يدافع عن هذا الدين ويحامي ..
علق نفسه بالآخرة ولم يفلح إبليس في تثبيطه عن خدمة هذا الدين .. حمل على القوم يلعب برقابهم بين الصفين برمحه وسلاحه .. تعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه في النهار .. ومضى أبو محجن يقاتل .. ويبذل روحه رخيصة في ذات الله .. نعم .. مضى أبو محجن ..
أما سعد بن أبي وقاص فقد كانت به قروح في فخذيه فلم ينزل ساحة القتال .. لكنه كان يرقب القتال من بعيد .. فلما رأى أبا محجن عجب من قوة قتاله .. وقال: