الصفحة 5 من 41

صنعتني يداه حتى كأني ... ذو ثراء من سر (1) أهل الثراء

لا أبالي صفح اللئيم ولا تج ... ري دموعي على الخؤون الصفاء

وكفاني أمرا على البخ ... ل بكف محمودة بيضاء

يشترى الحمد بالثناء ويرى الذ ... مَّ فظيعا كالحية الرقشاء (2)

ملك يفرع المنابر (3) بالفض ... ل ويسقي الدماء يوم الدماء

كم له من يد علينا وفينا ... وأياد بيض على الأكفاء

أسد يقضم الرجال وإن شئ ... ت فغيث أجش ثر السماء (4)

قائم باللواء يدفع بالمو ... ت رجالا عن حرمة الخلفاء

فعلى عقبة السلام مقيما ... وإذا سار تحت ظل اللواء

الشاعر والقصيدة

كان عقبة بن سلم والي البصرة لأبي جعفر المنصور، منتجعًا خصبًا وموردًا ثريا لبشار بن برد، وجد عنده رواجًا لمديحه، فأكب على تجويده لما يلقى منه من جزالة الجائزة والعطاء المغداق، ولم ينكر بشار بن برد أن الرغبة المادية كانت الباعث الملحاح على كثير مديحه في عقبة، وعلى التفوق فيه، إذ قال له قائل:"إن مديحك عقبة بن سلم فوق مدائحك كلَّ أحد؟ فقال: إن عطاياه إياي كانت فوق عطاء كل أحد" (5) . وكان الشعر لبشار وسيلة من ليس له وسيلة كسب غيرها إذ لم تكن له موارد إضافية من إرث أو مزاولة مهنة، وكان العصر يتفجّر بالغنى، ولا يسد مطالب عيش رفةٍ رغدٍ إلا مالٌ وفر، فكان الحافز للمدح حيويًا، ولم يكن للشاعر مندوحة عن استنباط ملكة الإبداع ليبلغ موضع الرضا الفني من ممدوحه فيصيب من المال ما ينهض به من شظف الفاقة والحاجة إلى لين الاغتناء، ولعله بلغ ما أمّل في مضماري الفن والثواب، ولم يكن ما قاله في هذه القصيدة:

صنعتني يداه حتى كأني ... ذو ثراء من سرِّ أهل الثراء

(1) السر: الخالص من كل شيء.

(2) الحية الرقشاء: ذات النقط، وهي شديدة السم.

(3) يفرع المنابر: يعلوها.

(4) ثر السماء: كثير السحاب والتهطال.

(5) الأغاني: 3/194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت