الصفحة 30 من 69

سرت مع تلك السيدة على مضض، ودخلت لأول مرة منزلهم.. بل حجرتهم- إن صح التعبير- فهبت بناتها ليستقبلنني، وأنا أحاول أن أرسم علامات الارتياح، ولكن.. علامات الضيق كانت تأبى إلا أن تظهر.

بدأت الفتاتان بالتحدث معي، وأخذت شيئا فشيئا أستلطف حديثهن، فلقد كانتا هادئتين، متزنتين، وأخذنا نتحدث، إلى أن وصل إلى مسامعنا صوت أذان الظهر، فقمنا للاستعداد للصلاة التي لم أكن أتذكرها إلا قليلا.. ولم أكن أؤديها إلا بعد إلحاح والدتي، فقد كنت أرى أني صغيرة بالرغم من بلوغي سن الحادية عشرة.

طلبت مني الفتاتان القيام للصلاة، فاعتذرت لأنني لا أملك ثوبا للصلاة، فما كان منهن إلا أن أحضرن لي ثوبا للصلاة، ووقفت أصلي معهن، وأحسست أنني أعرفهن منذ زمن بعيد، وأننا جميعا في هذا الموقف الخاشع سواء.. لقد كانت مشاعر جميلة تلك التي أحسست بها في تلك اللحظة.

أمضيت اليوم لديهن، وعدت إلى غرفتي في المساء، ووضعت رأسي على وسادتي وأنا أشعر بشعور غريب، فلقد أديت كل صلوات يومي معهن، وكان هذا في حد ذاته إنجازا كبيرا بالنسبة لي.

استيقظت في اليوم التالي وأسرعت أنا لأطرق باب غرفة جيراننا، وأمضيت معهن ثلاثة أيام عدت بعدها إلى منزلنا، وأخذت أزورهن بين الحين والآخر، وفي يوم طرقت باب منزلنا إحدى الفتاتين، ونادتني خادمتنا لمقابلتها، وعندما دخلت الصالة وجدت صديقتي تحمل في يدها كيسا صغيرا، وهي تقول:"لقد اخترته بنفسي لك، وأرجو أن يعجبك، وتتذكريني فيه بعد رحيلنا الذي قرره والدي بعد أسبوع".

نعم.. لقد كان أول ثوب صلاة لي، وأجمل ثوب حصلت عليه..

ورحلت تلك الأسرة عن منزلنا..

بالرغم من أنني أصبحت الآن على أبواب الجامعة إلا أنني ما زلت أتذكر أول صلاة صليتها معهن، وأجمل ثوب حصلت عيه حاكته تلك الأيدي الصغيرة التي اعتدت أن أدعو لها بعد كل صلاة، وما زلت إلى الآن أتحسس فيه دفء الصداقة، وأشم فيه رائحة الصدق.

توبة شاب على يد والدته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت