فالقرآن نور يضيء القلب حتى ينعكس ضوؤه على كلِّ تصرف يفعله، يميِّز بنوره ما يضره مما ينفعه، ويعرف به ما يخفضه وما يرفعه ..
فلا ريبَ أنْ يموت قلب مَنْ لا ينهل مِنْ معينه، ولا يتعرض لشمسه وأنواره، ولا يستمسك بحبله المتين.
وإذا كان الناس جميعهم لا يستطيعون أن يستخرجوا من البحر كلَّ ما فيه من موارد ولآلئ ودرر، ولكن يأخذ كلٌّ منه ما يستطيع، فكيف ببحر العلوم والمعارف، وبحر الفضائل واللطائف ..
بحرٌ ولكنَّهُ بالدُّرِّ مُنفَرِدٌ ... والبَحرُ يُجمَعُ فيهِ الدُّرُّ والرَّبَدُ [1] .
وأين البحر في طغيان مائه، وهدير أمواجه، من وعيد القرآن وزجره، وتهديده وتخويفه ..
كالغَيثِ فِيهِ للطُّغَاةِ زَلازِلٌ ... ولمن يُؤَمِّلُه الزُّلالُ البَارِدُ
وأين ما يخفيه البحر من أمور عظيمة، وما يكتنفه من أسرار وخبايا جسيمة، من خفايا القرآن وأسرارِه، وعظمةِ معانيه وبريقِ أنوارِه ..
بحرٌ ولكنَّهُ صَافٍ مَوَاهِبُهُ ... والبَحْرُ تَلقَى لَدَيهِ الصَّفْوَ والكَدَرَا
وأين عمق البحر من عمق معناه، وأين عظمته من عظمة مبناه، وأين روعته من روعة محياه، فرحماه ربنا على تقصيرنا فيه رحماه ..
لماذا أنزل الله عز وجل علينا كتابه العظيم؟
لقد أجاب الله سبحانه عن هذا بقوله: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} ، وقال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} ، وقال:
(1) ـ الرَّبَد: الطين.