بقلم:
د.محمد الحضيف
جمع وترتيب:
واس (مكتبة قصيمي نت لروائع الكتب)
قال لي صاحبي، إن بعضًا مما تكتب لا يعكس طبيعتك الهادئة، ثم إنك ربطت نفسك بالحديث عن المناسبات الحزينة، حتى صرت كأنك والحزن صنوان. ويكرس هذه (الصورة النمطية) عنك، نبرة صوتك الهادئة الحزينة، حتى إنني ما حدثتك يوما على الهاتف، إلا خلت، أنك الساعة خارج من مأتم.
يا عزيزي.. يضيف صاحبي، أنت لابد أن تكسر هذه (الصورة الحادة) عنك، دع عنك الجراحات والبكائيات، و (الوقوف على الأطلال) ، ورسم المواقف الحدية. اعكس فيما تكتب طبيعتك كما أنت أنك رجل حوار، لديك متسع للرأي الآخر.. أبرز الجانب الإنساني فيك، الذي يكاد يتوارى أمام صرامة الموقف وحدته. يا عزيزي.. إن المشاعر الإنسانية باب آخر لم تطرقه. كم من إنسان سيفتح لك قلبه، لو خاطبت فيه مشاعر الحب، وأحاسيس الإنسان. الكون ليس مأتما نقف في وسطه، ننوح نوح الثكالى، نشق جيبا، ونلطم خدا. هناك من يريد أن تحدثه حديثا خاصا، بعيدا عن ضجيج (المآتم) . خذه في زاوية منعزلة، ضوءها خافت، وافتح له قلبك.. وقل له إني أحبك.. ثم حدثه حديثا خاصا. أنا أجزم أنه سيستمع إليك، وسيبكي بين يديك. وقد يغفو على كتفك. فقط.. دعه يسمع النبرة الهادئة، التي لا يعرفها في كثير مما تكتب.. أو ما يقال عنك.
يؤخذ علي في كثير مما أكتب، ولقد تعرضت كلماتي كثيرا للمساءلة، والمصادرة. ولقد صرت أشك في نفسي: هل ما أكتب (غامض) إلى هذا الحد و (خطير) إلى هذه الدرجة؟ وطفقت أعرض ما أكتب على بعض الأصدقاء، وعلى بعض القريبات، لعلي أجد فرقا بين آراء الرجال وآراء النساء. في كل مرة أعرض ما أكتب، يحدق بي، أو تحدق بي، وابتسامة تملأ وجه من أعرض عليه ما كتبت، فيقول لي، أو تقول لي: جميل... لكنك تقصد شيئا. أقصد شيئا.. أتساءل، ما هو؟ ثم أردد في نفسي: أنا أكتب كلاما عربيا فصيحا، فلابد أني أقصد شيئا. من يقبل أن يقرأ، أو أن ينشر.. كلاما غير مفيد؟
صرت أتعب - بكل ما تعنيه الكلمة - حينما أكتب شيئا، وكل ما رأيت قلما قد كتب كلاما مفيدا، أبتهج به وأحزن. أبتهج أن كلماته، أو كلماتها، قد رأت النور وصافح ضياؤها أكثر من عين. وأحزن لأني أتعسر ولادة الفكرة والكلمة، التي أحسها صادقة، وحينما تولد، أتعامل معها كما تعاملت أم موسى مع فلذة كبدها. أضعها في (تابوت) ، ولا أستطيع أن أدعيها، فيصبح فؤادي، كما فؤاد أم موسى، فارغا.