يَسُدُّ عَلَيْكُمْ طَرِيقَ"إثْبَاتِ الصَّانِعِ"فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَوَادِثَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُحْدِثٍ وَالْمُخَصَّصُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُخَصِّصٍ وَالتَّرْجِيحُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ ؛ إذَا كَانَ الْمُخَصِّصُ أَوْ الْمُرَجِّحُ مِنْ الْمُمَكَّنَاتِ أَوْ الْمُحْدَثَاتِ . وَأَمَّا"الْإِلْزَامُ"فَقَوْلُكُمْ إنَّ هَذَا الْإِشْكَالَ لَازِمٌ لِلْفَلَاسِفَةِ كَمَا هُوَ لَازِمٌ لَنَا . فَإِنَّ الْحَوَادِثَ إذَا امْتَنَعَ حُدُوثُهَا عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ أَزَلِيَّةٍ - وَلَيْسَ عِنْدَكُمْ إلَّا الْعِلَّةُ التَّامَّةُ الْأَزَلِيَّةُ - لَزِمَ أَلَّا يَكُونَ لِلْحَوَادِثِ مُحْدِثٌ . وَأَمَّا نَحْنُ إذَا سَلَكْنَا طَرِيقَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا فَنَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ: بَلْ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَحَدَثَتْ بِأَسْبَابِ حَدَثَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ - و { إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } - كَانَ مَا يَحْدُثُ حَادِثًا بِمَا شَاءَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ مِنْ كَلَامِهِ ؛ لَا سِيَّمَا إذَا قِيلَ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي إرَادَتِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - وَأَمْكَنَنَا أَنْ نُجِيبَ الْفَلَاسِفَةَ بِجَوَابِ آخَرَ مُرَكَّبٍ عَنَّا وَعَنْكُمْ . فَنَقُولُ لَهُمْ . وُجُودُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا مُمْكِنٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ ؟ . فَإِنْ قُلْتُمْ مُمْتَنِعٌ: لَزِمَكُمْ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَأَمْكَنَ حِينَئِذٍ صِحَّةُ قَوْلِ الكرامية وَنَحْوِهِمْ . وَإِنْ قُلْتُمْ: هُوَ مُمْكِنٌ . قِيلَ: فَمُمْكِنٌ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَالَمُ حَدَثَ بِسَبَبِ حَادِثٍ قَبْلَهُ . وَكَذَلِكَ السَّبَبُ الْآخَرُ لَا إلَى غَايَةٍ وَالْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَ"الْمَقْصُودُ هُنَا"التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ مَقَامَاتٌ دَقِيقَةٌ مُشْكِلَةٌ بِسَبَبِهَا افْتَرَقَتْ الْأُمَّةُ وَاخْتَلَفَتْ . فَإِذَا اجْتَهَدَ الرَّجُلُ فِي مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ وَالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ وَأَخْطَأَ فِي الْمَوَاضِعِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي تَشْتَبِهُ عَلَى أَذْكِيَاءِ الْمُؤْمِنِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ خَطَايَاهُ ؛ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ: { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ:"قَدْ فَعَلْت"