يُحْدِثْ مِنْهُمْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ حُرُوفِهِ وَلَا نَظْمِهِ وَلَا مَعَانِيهِ ؛ بَلْ جَمِيعُ ذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى . [ الْقَوْلُ الْخَامِسُ ] قَوْلُ الهشامية والكرامية وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ حَادِثٌ قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ ؛ بَلْ مَا زَالَ عِنْدَهُمْ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ وَهُوَ عِنْدَهُمْ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ وَإِلَّا فَوُجُودُ الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ فِي الْأَزَلِ مُمْتَنِعٌ ؛ كَوُجُودِ الْأَفْعَالِ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ مَنْ وَافَقَهُمْ مَنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ . وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ حَادِثَةٌ بِذَاتِ الرَّبِّ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ . وَلَا يَقُولُونَ: إنَّ الْأَصْوَاتَ الْمَسْمُوعَةَ وَالْمِدَادَ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ قَدِيمٌ ؛ بَلْ يَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ . [ الْقَوْلُ السَّادِسُ ] قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَئِمَّتِهِمْ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ وَالْقُرْآنُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ كَلَامُ اللَّهِ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَيْسَ بِبَائِنِ عَنْهُ مَخْلُوقًا . وَلَا يَقُولُونَ إنَّهُ صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا وَلَا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ حَادِثٌ ؛ بَلْ مَا زَالَ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَإِنْ كَانَ كَلَّمَ مُوسَى وَنَادَاهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَكَلَامُهُ لَا يَنْفَدُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } . وَيَقُولُونَ: مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ الصَّحِيحَةُ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْعُقُولُ الزَّكِيَّةُ الصَّرِيحَةُ فَلَا يَنْفُونَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى صِفَاتِ الْكَمَالِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . فَيَجْعَلُونَهُ كَالْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا تَتَكَلَّمُ وَلَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ . فَلَا تُكَلِّمُ عَابِدِيهَا وَلَا تَهْدِيهِمْ سَبِيلًا وَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا تَمْلِكْ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا . وَمَنْ جَعَلَ كَلَامَ اللَّهِ لَا يَقُومُ إلَّا بِغَيْرِ اللَّهِ كَانَ الْمُتَّصِفُ بِهِ هُوَ ذَلِكَ الْغَيْرُ فَتَكُونُ الشَّجَرَةُ هِيَ الْقَائِلَةَ لِمُوسَى { إنَّنِي أَنَا اللَّهُ } وَلِهَذَا اشْتَدَّ نَكِيرُ السَّلَفِ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ . وَقَالُوا هَذَا نَظِيرُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } أَيْ هَذَا كَلَامٌ قَائِمٌ بِغَيْرِ اللَّهِ ؛ وَلِهَذَا صَرَّحَ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ الِاتِّحَادِيَّةُ: كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَنَحْوِهِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ . وَأَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ - الْمُوَافِقُونَ لِلسَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ - لَا يَقُولُونَ إنَّ الرَّبَّ كَانَ مَسْلُوبًا صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي الْأَزَلِ وَإِنَّهُ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَلَامِ حَتَّى حَدَثَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ كَالطِّفْلِ . وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ يَجْعَلُونَ الْكَلَامَ لِغَيْرِهِ فَيَسْلُبُونَهُ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَيَقُولُونَ: إنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ لَا عَلَى كَلَامٍ مَخْلُوقٍ وَلَا غَيْرِهِ . وَهُمْ إنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْعَجْزِ عَنْ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ فَهُوَ لَازِمٌ لِقَوْلِهِمْ . والكرامية فَرُّوا مِنْ الْأَوَّلِ ؛ وَجَعَلُوهُ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ يَقُومُ بِهِ ؛ لَكِنْ لَمْ يَجْعَلُوهُ مُتَكَلِّمًا فِي الْأَزَلِ ؛ بَلْ وَلَا قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ فِي الْحَقِيقَةِ فِي الْأَزَلِ . والكلابية وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ السالمية وَنَحْوِهِمْ وَصَفُوهُ بِالْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ وَقَالُوا: إنَّهُ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا لَكِنْ لَمْ يَجْعَلُوهُ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ وَلَا مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُحْدِثَ شَيْئًا يَكُونُ بِهِ مُكَلِّمًا لِغَيْرِهِ ؛ لَكِنْ يَخْلُقُ لِغَيْرِهِ إدْرَاكًا بِمَا لَمْ يَزَلْ كَمَا يُزِيلُ الْعَمَى عَنْ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يَرَى الشَّمْسَ الَّتِي كَانَتْ ظَاهِرَةً مُتَجَلِّيَةً لَا أَنَّ الشَّمْسَ فِي نَفْسِهَا تَجَلَّتْ