الصفحة 6 من 19

عَلَيْهِ مِنْ الْعُكُوفِ عَلَى التَّمَاثِيلِ وَالْقُبُورِ وَعِبَادَتِهَا وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهَا . قَالَ لِي: نَحْنُ مَا نُشْرِكُ بِهِمْ وَلَا نَعْبُدُهُمْ وَإِنَّمَا نَتَوَسَّلُ بِهِمْ كَمَا يَفْعَلُ الْمُسْلِمُونَ إذَا جَاءُوا إلَى قَبْرِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فَيَتَعَلَّقُونَ بِالشُّبَّاكِ الَّذِي عَلَيْهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ . فَقُلْت لَهُ: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الشِّرْكِ لَيْسَ هَذَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ فَعَلَهُ الْجُهَّالُ فَأُقِرَّ أَنَّهُ شِرْكٌ حَتَّى إنَّ قِسِّيسًا كَانَ حَاضِرًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . فَلَمَّا سَمِعَهَا قَالَ: نَعَمْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ نَحْنُ مُشْرِكُونَ . وَكَانَ بَعْضُ النَّصَارَى يَقُولُ لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ: لَنَا سَيِّدٌ وَسَيِّدَةٌ وَلَكُمْ سَيِّدٌ وَسَيِّدَةٌ لَنَا السَّيِّدُ الْمَسِيحُ وَالسَّيِّدَةُ مَرْيَمُ وَلَكُمْ السَّيِّدُ الْحُسَيْنُ وَالسَّيِّدَةُ نَفِيسَةُ . فَالنَّصَارَى يَفْرَحُونَ بِمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْجَهْلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا يُوَافِقُ دِينَهُمْ وَيُشَابِهُونَهُمْ فِيهِ وَيُحِبُّونَ أَنْ يَقْوَى ذَلِكَ وَيَكْثُرَ وَيُحِبُّونَ أَنْ يَجْعَلُوا رُهْبَانَهُمْ مِثْلَ عُبَّادِ الْمُسْلِمِينَ وَقِسِّيسِيهِمْ مِثْلَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ . ويضاهئون الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ عُقَلَاءَهُمْ لَا يُنْكِرُونَ صِحَّةَ دِينِ الْإِسْلَامِ . بَلْ يَقُولُونَ: هَذَا طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ وَهَذَا طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ . وَلِهَذَا يَسْهُلُ إظْهَارُ الْإِسْلَامِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْهُمْ . فَإِنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى كَأَهْلِ الْمَذَاهِبِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَلْ يُسَمُّونَ الْمِلَلَ مَذَاهِبَ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْلَ الْمَذَاهِبِ كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ دِينُهُمْ وَاحِدٌ . وَكُلُّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْهُمْ بِحَسَبِ وُسْعِهِ كَانَ مُؤْمِنًا سَعِيدًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ . فَإِذَا اعْتَقَدَ النَّصَارَى مِثْلَ هَذَا فِي الْمِلَلِ يَبْقَى انْتِقَالُ أَحَدِهِمْ عَنْ مِلَّتِهِ كَانْتِقَالِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ . وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ لِرَغْبَةِ أَوْ رَهْبَةٍ وَإِذَا بَقِيَ أَقَارِبُهُ وَأَصْدِقَاؤُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ بَلْ يُحِبُّهُمْ وَيَوَدُّهُمْ فِي الْبَاطِنِ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ كَالْوَطَنِ وَالنَّفْسُ تَحِنُّ إلَى الْوَطَنِ إذَا لَمْ تَعْتَقِدْ أَنَّ الْمُقَامَ بِهِ مُحَرَّمٌ أَوْ بِهِ مَضَرَّةٌ وَضَيَاعُ دُنْيَا . فَلِهَذَا يُوجَدُ كَثِيرٌ مِمَّنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ . ثُمَّ مِنْهُمْ مِنْ يَمِيلُ إلَى الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ وَمِنْهُمْ مِنْ يَمِيلُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ . وَمِنْهُمْ مِنْ يَمِيلُ إلَى أُولَئِكَ مِنْ جِهَةِ الطَّبْعِ وَالْعَادَةِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْجِنْسِ وَالْقَرَابَةِ وَالْبَلَدِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْمَقَاصِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ الْقَرَامِطَةِ والاتحادية وَنَحْوِهِمْ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَتَدَيَّنَ الرَّجُلُ بِدِينِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ . فَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ دِينًا سِوَى الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ بِمُسْلِمِ . وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ يَكُونَ مُسْلِمٌ إلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَلَيْسَ بِمُسْلِمِ . وَمَنْ لَمْ يُحَرِّمْ التَّدَيُّنَ - بَعْدَ مَبْعَثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَلْ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ وَيُبْغِضْهُمْ فَلَيْسَ بِمُسْلِمِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ النَّصَارَى يُحِبُّونَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَا يُشَابِهُونَهُمْ بِهِ لِيَقْوَى بِذَلِكَ دِينُهُمْ وَلِئَلَّا يَنْفِرَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ وَعَنْ دِينِهِمْ . وَلِهَذَا جَاءَتْ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ بِمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي كِتَابِنَا"اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ لِمُخَالَفَةِ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ". وَقَدْ حَصَلَ لِلنَّصَارَى مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت