عَبَدَ الْأَصْنَامَ وَالْعِجْلَ مَا عَبَدَ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ مَا ثَمَّ غَيْرٌ وَأَمْثَالُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ وَالتَّفْسِيرَاتِ الَّتِي يَعْلَمُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَكُلُّ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ كَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَجِمَاعُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْبَابَ نَوْعَانِ:"أَحَدُهُمَا"أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ بَاطِلًا ؛ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِمَا عَلِمَ فَهَذَا هُوَ فِي نَفْسِهِ بَاطِلٌ فَلَا يَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ إلَّا بَاطِلًا ؛ لِأَنَّ الْبَاطِلَ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ حَقٌّ . و"الثَّانِي"مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ حَقًّا لَكِنْ يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بِأَلْفَاظِ لَمْ يُرِدْ بِهَا ذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي يُسَمُّونَهُ"إشَارَاتٍ"و"حَقَائِقُ التَّفْسِيرِ"لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ كَثِيرٌ . و أَمَّا"النَّوْعُ الْأَوَّلُ"فَيُوجَدُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ الْقَرَامِطَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ الْمُخَالِفِينَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أُصُولِ دِينِهِمْ فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ قَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ عَلِمَ أَنَّ كُلَّ مَا يَذْكُرُونَهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ وَمَنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا دَامَ عَقْلُهُ حَاضِرًا عَلِمَ أَنَّ مَنْ تَأَوَّلَ نَصًّا عَلَى سُقُوطِ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِهِمْ فَقَدْ افْتَرَى وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الْخَمْرَ وَالْفَوَاحِشَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا دَامَ عَقْلُهُ حَاضِرًا عَلِمَ أَنَّ مَنْ تَأَوَّلَ نَصًّا يَقْتَضِي تَحْلِيلُ ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ مُفْتَرٍ . وَأَمَّا"النَّوْعُ الثَّانِي"فَهُوَ الَّذِي يَشْتَبِهُ كَثِيرًا عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فَإِنَّ الْمَعْنَى يَكُونُ صَحِيحًا لِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الشَّأْنَ فِي كَوْنِ اللَّفْظِ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ دَلَّ عَلَيْهِ وَهَذَانِ قِسْمَانِ:"أَحَدُهُمَا"أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُرَادٌ بِاللَّفْظِ فَهَذَا افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ فَمَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: { تَذْبَحُوا بَقَرَةً } هِيَ النَّفْسُ وَبِقَوْلِهِ { اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ } هُوَ الْقَلْبُ { وَالَّذِينَ مَعَهُ } أَبُو بَكْرٍ { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ } عُمَرُ { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } عُثْمَانُ { تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا } عَلِيٌّ: فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ إمَّا مُتَعَمِّدًا وَإِمَّا مُخْطِئًا . و"الْقِسْمُ الثَّانِي"أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاعْتِبَارِ وَالْقِيَاسِ لَا مِنْ بَابِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ فَهَذَا مِنْ نَوْعِ الْقِيَاسِ فَاَلَّذِي تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ قِيَاسًا هُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الصُّوفِيَّةُ إشَارَةً وَهَذَا يَنْقَسِمُ إلَى صَحِيحٍ وَبَاطِلٍ كَانْقِسَامِ الْقِيَاسِ إلَى ذَلِكَ فَمَنْ سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: { لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ } وَقَالَ: إنَّهُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ أَوْ الْمُصْحَفُ فَقَالَ: كَمَا أَنَّ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ لَا يَمَسُّهُ إلَّا بَدَنٌ طَاهِرٌ فَمَعَانِي الْقُرْآنِ لَا يَذُوقُهَا إلَّا الْقُلُوبُ الطَّاهِرَةُ وَهِيَ قُلُوبُ الْمُتَّقِينَ كَانَ هَذَا مَعْنًى صَحِيحًا وَاعْتِبَارًا صَحِيحًا وَلِهَذَا يُرْوَى هَذَا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ ؛ قَالَ تَعَالَى: { الم } { ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } وَقَالَ: { هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ } وَقَالَ: { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ } وَأَمْثَالَ ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ:"لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ"فَاعْتَبَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَدْخُلُهُ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ إذَا كَانَ فِيهِ مَا يُنَجِّسُهُ مِنْ الْكِبْرِ وَالْحَسَدِ فَقَدْ أَصَابَ قَالَ تَعَالَى: { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ } وَقَالَ تَعَالَى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ